شرح
فالأوّل منها : هو المسمّى بالظنّ الخاصّ ، وهو ما قام على حجّيته دليلٌ خاصّ
من الإجماع أو الكتاب أو السنّة القطعيّة ، نظير ما هو حاصل من ظهور اللفظ مثلا ،
حيث إنّه قد استقرّ على حجّيته بناء العقلاء أجمع ، فإنّ سيرتهم القطعيّة على العمل
بظواهر الألفاظ من غير توقّف ولا نكير كاشفٌ عن الحكم الباتّ من العقل بذلك ،
وهو ممّا يوجب القطع بحجّيته وإن كان نفس الدلالة ظنّياً ، باعتبار احتمال إرادة
المتكلّم من لفظه غير ما هو ظاهر منه ، ثمّ الشرع المقدّس أمضى سيرتهم وأيّد
حكمهم بالحجّية ، وحكم بها في ظواهر الأقارير والشهادات وسائر أنواع المعاملات .
وإنّ مثل هذا الظنّ يسمّى عندهم بالدليل العلمي ، حيث إنّه منزّل منزلة القطع
تعبّداً بحكم الشرع باعتبار القطع بحجّيته ، مع كون الطريق إلى العلم بتلك الحجّية -
وهو تطابق ظاهر اللفظ لمراد المتكلّم - ظنّياً غير قطعي . ولذلك قيل : إنّ ظنّيّة
الطريق لا تنافي قطعيّة الحكم ( 1 ) .
والثاني منها ما هو بعكسه ، وهو ما لم يقم على حجّيته دليل من الشرع ، ولا
من العقل ، كالظنّ الحاصل من الجفر والحساب والاستخارة وأمثالها ، فإنّه
لا خلاف في عدم حجّية مثله ، فضلا عمّا ورد النهي عن الأخذ به ( 2 ) وثبت الردع
الشرعي عن القول بحجّيته ، نظير الظنّ الحاصل من القياس المطلق ( 3 ) غير ما ذكر ،
من منصوص العلّة ، والقياس بالأولويّة .
والثالث منها ما هو الظنّ المطلق ، وهو الّذي ادّعى بعضهم قيام الدليل العقلي
أو الشرعي عليه ، فذهب إلى حجّيته ( 4 ) . وأنكر الآخرون ذلك ، فقالوا بعدم حجّيته ( 5 ) .
واستدلّ الأوّلون على ذلك بوجوه أربعة ، أهمّها رابعها ، وهو المعروف بينهم
هامش
( 1 ) انظر هداية المسترشدين : 9 ، كفاية الأُصول : 469 .
( 2 ) على سبيل المثال انظر سورة الحجرات : 12 .
( 3 ) انظر تفصيل الكلام في مفاتيح الأُصول : 452 وكفاية الأُصول : 308 .
( 4 ) انظر مفاتيح الأُصول : 459 .
( 5 ) كما في فرائد الأُصول ( تراث الشيخ الأعظم ) 24 : 388 فما بعد .