شرح
المأثورة بطرق الآحاد ، سواء كان قطعي الدلالة أو لا .
وبذلك ينقدح انحصار القطعي في الأوّلين منها ، وهما العقل والإجماع
المحصّل فقط ، وحيث إنّه من الواضح عدم كفايتهما لإثبات جميع الأحكام
الشرعيّة في جميع أبواب الفقه ؛ وذلك لمعلوميّة كثرة الفروع الجزئيّة الّتي يمكن
دعوى خروجها عن حدّي الحصر والإحصاء ، مع قصور العقل عن إدراكها ونيل
أسرارها ، فضلا عن إثباتها والحكم الجزمي بها ، ومع شذوذ ما انعقد عليه الإجماع
المحصّل الّذي يوجب القطع بثبوت الحكم .
بل المنقول منه بطريق الآحاد - مع عدم حجّيته لدى المعظم - قاصرٌ أيضاً عن
إثبات جميع الأحكام في جميع الفروع الجزئيّة ، ومع أنّه أيضاً لا يفيد أكثر من
الظنّ ، ولا يوجب القطع أصلا .
فلا محيص ( 1 ) في مقام معرفة الأحكام الشرعيّة وإثباتها عن الرجوع إلى
الظنّ ، ولابدّ من القول بحجّيته وجواز العمل به ، كما هو مسلّمٌ متّفقٌ عليه لدى معظم
الفقهاء وجلّ العلماء ، بل كلّهم ، وإلاّ لزم الإهمال في سائر الأحكام ، ولازمه
المخالفة القطعيّة لها الموجبة لعذاب الأبد والعقاب السرمد .
فلا كلام في ذلك ، ولا خلاف حينئذ في حجّية الظنّ في الجملة ، ولا ريب في
لزوم العمل به إجمالا .
نعم ، قد وقع الخلاف بينهم فيما هو الحجّة من درجاته بعد وضوح أنّ له
مراتب : أوّلها : الرجحان اليسير الّذي يزول بأدنى تشكيك . وآخرها : ما يقارب
القطع في اطمئنان النفس به ، وكان دونه بدرجة ، ويسمّى مثله بالعلم العادي ،
وبينهما مراتب كثيرة ، كما أنّ له أيضاً أصناف شتّى : فمنها : ما اتّفقت الكلمة على
حجّيته ولزوم الأخذ به . ومنها : ما هو بخلافه ، واتّفقت الكلمة من أهل الحقّ أيضاً
على عدم حجّيته . ومنها : ما هو مختلف فيه .
هامش
( 1 ) عطف على قوله : وحيث إنّه من الواضح عدم . . . .