وإن قطعت انقطع العذر ولا * تُسأل بعد القطع ممّا حصلا
شرح
المستنبط منها ، وتفصيل ذلك موكول إلى محلّه في الكتب الأُصوليّة .
« و » لكن بعد ذلك كلّه « إن قطعت » بحكم شرعي قطعاً جزميّاً لا يزيله
تشكيك مشكّك ، وكان ذلك بعد الفحص التامّ والتفتيش الصحيح عن دليل ذلك
الحكم ، فحينئذ تمّت لك الحجّة الشرعيّة في اتّباع يقينك ، و « انقطع » عنك التقصير
الموجب للعقوبة ، وثبت « العذر » لك بذلك عند ربّك للخلاص من عذابه وانتقامه
على تقدير خطائك فيما قطعت به ، بل لك الأجر على بذل الجهد في تحصيل
الحكم الشرعي الواقعي .
ففي النبوي ( صلى الله عليه وآله وسلم ) المتصافق عليه بين الفريقين : " أنّ للمصيب من المجتهدين
أجرين وللمخطئ منهم أجراً واحداً " ( 1 ) .
« ولا » حرج عليك شرعاً في اتّباع يقينك ولو كان ما اعتقدته غير مطابق
لحكم الله الواقعي ، فلا تؤاخذ ولا « تُسأل » يوم القيامة عن سببه « بعد » حصول
« القطع » ولا يقال لك : « ممّا حصلا » قطعك ، فهو حجّة مطلقاً يعذّر العامل بها ما دام
كونه قاطعاً ، غاية الأمر أنّه إن كان قطعه مطابقاً للواقع وكان مصيباً في يقينه سمّي
قطعه علماً ؛ لأنّ العلم عبارةٌ عن حضور صورة الشيء في الذهن حقيقةً ، وقد حضر
ذلك في الفرض ، فسمّي به .
وأمّا إذا لم يكن كذلك ، سمّي قطعه جهلا مركّباً ، حيث لم تحضر صورة الواقع
لديه وإن كان هو قاطعاً بالمطابقة ، ومعتقداً إصابته ، ولكن الواقع الحقيقي مستور
عنه ، ولذلك سمّي قطعه جهلا .
هامش
( 1 ) قال في فرائد الأُصول ( الأنصاري ) 1 : 40 وقد اشتهر : أنّ للمصيب . . . وقال صاحب
الفصول ( على ما في هامش القواعد الفقهيّة للشيخ ناصر مكارم 1 : 13 ) في باب التخطئة
والتصويب : أنّ الأُمّة قد تلقّت هذه الرواية بالقبول ، وانظر سنن الترمذي 2 : 393 / 1341 ،
وكنز العمّال 5 : 630 / 14110 وفيهما باختلاف يسير .