فلا تقلّدها ولا تردّها * إلاّ إذا اقتضى الدليل ردّها
ولا تَقِس كما يقيس الناس * فإنّ دين الله لا يقاس
شرح
نظرك دليلهم وافقتهم على الحكم ، وإلاّ « فلا » يجوز لك أن تتبع الشهرة من غير
معرفة الدليل ، ولا أن « تقلّدها » تقليد الأعمى « ولا » أن « تردّها » وتنكر حكمهم
من غير معرفة فساد دليلهم ، وذلك لأنّ الشهرة ليست من الأدلّة الّتي يجب اتّباعها
مطلقاً ، وليس سبيلها سبيل الأدلّة الأربعة .
كما أنّ القياس باطل في مذهبنا ، فلا تتّبعه « ولا تَقِس » في الدين برأيك « كما
يَقيس الناس » وهم العامّة العمياء ( 1 ) وفي الحديث المأثور : " أوّل من قاس إبليس
حيث قال : خلقتني من نار وخلقته من طين " ( 2 ) .
وقد تقدّمت الإشارة إلى ذلك .
نعم ، حجّية ما كان منه قياساً للأولويّة مشهور بين علمائنا الكرام ، نظير تقبيل
الأجنبيّة مثلا ، فإنّهم لا يتوقّفون عن الحكم بحرمته مع عدم ورود نصٍّ خاصّ على
ذلك ، ولكنّه لا شبهة في كونه أولى بالحرمة من المنصوص عليه بذلك ، وهو النظر
إليها ، وذلك لحكم العقل الباتّ بكون التقبيل بشهوة أولى بالحرمة من النظر كذلك .
وكذا حجّية القياس على منصوص العلّة ، كما لو ورد مثلا : أنّ الخمر حرام لأنّه
مسكر ، فإنّه بعد تنصيص الشرع بأنّ علّة الحرمة فيه ليست إلاّ السكر ، لا تبقى شبهة
لدى العقل بوجود الحكم المذكور أينما وجدت علّته المذكورة ، ولا ريب حينئذ
في حرمة كلّ مائع مسكر مثل الخمر ، وإلاّ لزم تخلّف المعلول عن علّته ، أو
إنكار العلّيّة ، وذلك خُلفٌ واضح ، وكلاهما مستحيلان .
وأمّا سائر الأقيسة ، فبطلانها ضروري في مذهب الحقّ وأهله ، حيث لم يُعلم
قطعيّاً علّة الحكم في المقيس عليه في الواقع ونفس الأمر ، ولا يجوز اتّباع
هامش
( 1 ) حيث قالوا بحجّية القياس ، انظر الإحكام ( للآمدي ) 4 : 272 والإبهاج في شرح المنهاج 3 : 9 ،
وشرح اللُمع ( الشيرازي ) 2 : 757 .
( 2 ) تقدّم تخريج مصادره في ص 246 ، فراجع .