مستنبطاً برأيك السديد * محرّراً عن رِبقة التقليد
لكن أروم فيك معنىً أعلا * ما لم أجد له سواك أهلا
فإن صفت نفسك من تقليدها * فضَع قَلادة التُقى في جيدها
وأخلص النيّة في الأعمال * وابتغ وجه الله ذي الجلال
وصفّها من الريا وإن خفي * تصفيةً لها من الشرك الخفي
شرح
وبراعتك الذاتيّة في فهم مغازيهما ، ودرك معانيهما « مستنبطاً » منهما أحكام
الشرع المقدّس « برأيك السديد » وذوقك السليم ، وأصبحت « محرّراً عن ربقة
التقليد » وتبعيّة رأي الغير .
و « لكن » بُنيّ بعد الإذعان لك بذلك لا أكتفي لك به ، بل « أروم فيك » وأُأمّل من
همّتك أن تحصل « معنىً أعلا » وأشرف منه ، وهو « ما لم أجد له سواك أهلا » يحقّق
أملي ، مع كفائته لذلك ، وما هو إلاّ التزيّن بالتقى « فإن صَفت » وخلّصت « نفسك من
تقليدها » ونزعت بيد الاجتهاد ربقة رقّيتها « فضع قَلادة التقى في جيدها » فإنّ تلك
التحلية للحرّ عزٌّ وشرفٌ في النشأتين ، وفخرٌ في الدارين .
ولا يذهب عليك ما في البيت من الاستعارات اللطيفة في تنزيل التبعيّة في
التقليد منزلة الرقّية والعبوديّة ، وتنزيل الاجتهاد منزلة الانعتاق والحرّيّة ، وتنزيل
التقى منزلة القلادة الموجبة للحسن والزينة ، فللّه تعالى درّه ، وعليه سبحانه أجره .
ثمّ إنّه - طاب ثراه - بعد توصيته الأكيدة بتحسين العمل أخذ في الوصيّة
بتخليص النيّة في كلّ ذلك مؤكّداً لما سبق منه في ذلك ، فقال : « وأخلص النيّة في »
جميع « الأعمال » لله سبحانه « وابتغ » فيها « وجه الله ذي الجلال » دون غيره أصلا ،
لا اشتراكاً معه تعالى ، فتكون مشركاً ، ولا استقلالا ، فتكون مرائياً كافراً . « وصفّها
من الريا » تصفيةً خالصةً ، لا يكون فيها شوبٌ منه « وإن خفي » في باطن القلب
وأعماق الضمير ، ولا شكّ في كون تلك التصفية « تصفيةً لها من الشرك الخفيّ » فإنّ
شرك القلب أخفى دبيباً من دبيب النملة السوداء على الصخرة الصمّاء في الليلة