شرح
ثمّ يشاركه سابعاً في كثرة قطراته وأجزائه ، بكثرة الفروع في العلم الّتي هي
بأجمعها أجزاء له ، وهي خارجة عن حدّ الإحصاء . وثامناً في استخراج جواهر
المطالب ، ومعرفة طُرق الوصول إلى الله تعالى ومرضاته وجنانه على سبيل
استخراج اللؤلؤ والمرجان ، وسائر أنواع الجواهر من البحر . وتاسعاً في حصول
الخضوع غالباً في قلب الحامل له ، وحصول الانكسار المقرّب له إلى سيّده على
سبيل انقطاع راكب البحر وانكسار قلبه عند خطر الغرق . وعاشراً في ترتّب
المعرفة الكاملة بالخالق تعالى وبراهين وجوده جلّ وعلا ، والاعتبار بآياته
ودلائله الموجب للخلوص في عبادته .
إلى غير ذلك من وجوه الشَبَه بين البحرين : بحر العلم ، وبحر الماء ، كإزالة
الأقذار والأوساخ والنجاسات ، فكما أنّ الظاهريّة منها تزول بماء البحر الصافي
من الكدر ، فكذلك الباطنيّة منها تزول بالعلم الصحيح الحاوي للعمل ، وكحصول
الطهارة والنشاط ، فكما أنّ استعمال ماء البحر يوجب حصول الظاهريّة منهما
لظاهر البدن ، فكذلك استعمال العلم الديني يوجب الباطنيّة منهما .
فبه يطهر القلب عن الأهواء المضلّة ، وبه يحصل النشاط في النفس للرقى إلى
مدارج المعارف المقرّبة .
وبه يندفع نعاس المطال والغفلة ، وبه يعالج كلّ داء من الأدواء المهلكة ، وبه
تحصل الأخلاق المرضيّة ، بل وبه تحصل للمرء حقيقة الإنسانيّة ، وبه يستفيد من
أيّامه الفانية ، وبه يزرع العمل الصالح لأيّامه الباقية .
وأمّا المعرض عنه فليس إلاّ همج رعاع ، قد خسر الدنيا والآخرة ، كما في
الحديث عن مولانا أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : " الناس ثلاثة : عالمٌ ربّاني ، ومتعلّمٌ على
سبيل نجاة ، وهمجٌ رعاعٌ ، أتباع كلّ ناعق يميلون مع كلِّ ريح " ( 1 ) .
وبالجملة ، فلا يقاس بنعمة العلم شيء من النِعَم ، ولا يداني لذّته شيء من
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 496 الحكم 147 .