شرح
إلى غير ذلك ممّا ورد في الكتاب والسنّة والأدعية المأثورة من فوائده
وخواصّه ( 1 ) وأنّ العالم يشاركه في تلك الخواصّ والفوائد بأجمعها ، بل يزيد عليه
باعتبار اختصاصه أوّلا بكونه عباديّاً قُربيّاً دون البحر . وثانياً بحصول التعب في
تحصيله واحتمال المشقّة في سبيل نيله والأجر على قدر المشقّة . وثالثاً بكونه
منجياً من ظلمات الجهل والعمى .
وبالجملة ، فهو يشارك سعة البحر أوّلا بسعة أطرافه ، وعدم إمكان الإحاطة
بجهاته ومسائله وأصنافه . كما أنّه يشاركه ثانياً في بُعد الغور ، فلا يكاد يدرك كنهه
وحقيقته في كلّ باب إلاّ من أيّده الله تعالى بحوله وقوّته ، وقذف في قلبه نوره . ثمّ
يشاركه ثالثاً في تجدّد أمواجه المتعاقبة بانكشاف المطالب الغامضة المتجدّدة
لدى المتعمّق فيه والمتأمّل الفكور في جوانبه . ورابعاً في زُخره ، بمعنى : الشرف
والمدّ والارتفاع باعتبار علوّ شأنه وارتفاع مقامه ، بحيث يدّعيه من هو فاقده
وينسب نفسه إليه افتخاراً به من لم يكن واجده . وخامساً باعتبار احتوائه لأنواع
الجواهرات الثمينة ، والإدراكات العجيبة على سبيل احتواء البحر لعجائب المخلوقات .
وسادساً : في الخطر أيضاً ، فإنّ في طلبه خطرات عظيمة حين الاشتغال
بتحصيله ، فقد هلك فيه عالم كثير ، إمّا بفساد القصد بسبب الرياء والعجب والمماراة
وأمثالها ، وإمّا بسبب الانحراف عن الحقّ بشبهات واهية مضلّة ، أو أنّه هلك به بعد
تحصيله بسبب الفساد في العمل بالتكبّر والترفّع على الناس ، أو بالفتوى بغير
الحقّ ، أو بالجدال بالباطل ، أو بهضم الحقوق ، وظلم العباد ، وتناول الرُشا ، وأكل
أموال القصار والضعفاء كالأرامل والأيتام والمجانين وأمثالهم ، أو بالخيانة في
الودائع والأوقاف ونظائرها ، ونعوذ بالله منها جميعها ، ولا ينجو من كلّ ذلك إلاّ من
تسلّح بالتوسّل بالله تعالى وخلفائه لإرغام النفس الأمّارة والأبالسة المكّارة
وركب سفينة العمل والجهاد .
هامش
( 1 ) على سبيل المثال انظر تفسير مجمع البيان 5 : 201 .