وإن وجدتَه فلا أهلا ولا * سهلا به إن صدّ عن نيل العُلا
وجدّك الأعلا عليّ المرتضى * طلّق دنياه ثلاثاً معرضا
فاتبع بُنيّ جدّك الأعلا ، ودَع * زُخرفها واكتس جلبابَ الوَرَع
وليس ما ليس من المحال * تقصُرُ عنه هِمَمُ الرجال
شرح
وأصناف الخير ووجوه النِعَم والمنافع « في الدنيا نَكِد » أي : عسرٌ قليل « وإن طلبت
الصفو » الخالص « منه لم تَجِد » أبداً ، فإنّ ذلك لا يوجد إلاّ في الجنّة « وإن وجدتَه »
على الفرض البعيد أو المحال « فلا » تفرح به ، ولا تقل له : « أهلا ، ولا » مرحباً
ولا « سهلا » من جهة الاغترار « به إن صدّ » ذلك « عن نيل العلا » وألهاك عن
البلوغ إلى درجات الكمال الموصلة إلى الجنان العُليا ، فإنّ الراحة القليلة الزائلة
لا تعادل الراحة الكثيرة الدائمة .
« و » إنّ « جدّك الأعلى عليّ المرتضى » ( عليه السلام ) على ما أثبتته تواريخ الفريقين :
« طلّق دنياه ثلاثاً معرضاً » عنها ، وكان هو المخاطب لها بقوله ( عليه السلام ) : " هيهات يا دنيا
أبي تعرّضت ؟ أم إليَّ تشوّقت ؟ لا حان حينك ، هيهات غُرّي غيري ، فقد طلّقتك
ثلاثاً ، لا رجعةَ لي فيك " ( 1 ) .
« فاتّبع بُنيّ جدّك الأعلا ، ودع » زينتها و « زخرفها ، واكتس جلباب الوَرَع » .
والجلباب على وزن سرداب : القميص ، أو الملحفة ، وكلّما يُستتر به ويُغطّى به
الوجه والكتف . مأخوذ من قوله تعالى : ( يدنين عليهنّ من جلابيبهنّ ) .
وفيه استعارةٌ لطيفةٌ بتشبيه الورع وتنزيله منزلة القميص باعتبار اشتراكهما في
الستر والتغطية ، فكما أنّ القميص يستر البدن وعيوبه ، فكذا الورع يستر قبائح
النفس الأمّارة وصفاتها المذمومة « وليس » تحصيله متعذّراً ولا متعسّراً ، فإنّ « ما
ليس » حصوله « من » الأمر « المحال » الممتنع لا يصعب تحصيله على الحُرّ المالك
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 480 الحكم 77 .