لم يكُ للراحة فيها من أثر * كيف ؟ وصفوها مشوبٌ بالكدر
قد اقتفى إدبارُها إقبالَها * وإن أتت عفواً فلا جدوى لها
بُنيّ إنّ العيش في الدنيا نَكِد * وإن طلبت الصفو منه لم تَجِد
شرح
وباعتبار ارتحال أهاليها عنها تسمّى دار قُلعة . وباعتبار عجزهم عن بلوغهم أقصى
آمالهم فيها تسمّى دار عياء . وباعتبار ما يعرضهم فيها من تعب السعي لتحصيل
الدنيا أو الآخرة تسمّى دار لغوب . وباعتبار ما يصيبهم من الفقر والفقد والأمراض
في أنفسهم أو في نفوس مَن يعِزّ عليهم من الأهل والأولاد وأمثالهم سمّيت دار
نصب . وباعتبار عدم خلوّهم من العدوّ والحسود جُلاّ أو كلاّ ، وعدم ارتياحهم من
الهموم سمّيت دار ذلّ . وباعتبار عدم استغنائهم عن حوائج المعيشة سمّيت دار
افتقار . وباعتبار بذل جهودهم مدّة حياتهم في تحصيل شهواتهم سمّيت بيت تعب .
فأُفّ لها من دار فانية لا تدوم أحوالها ، ولا تسلم فيها نُزّالها ، العيش فيها
مذموم ، والأمان منها معدوم .
ويا للعجب ! ممّن يغترّ بها ، أو يحرص على تحصيلها ، وأعجب منه من يطلب
الراحة فيها من كافّة الحوادث والهموم ، مع وضوح أنّه « لم يَكُ للراحة فيها » لأحد
من الأوّلين والآخرين « من » عين ولا « أثر » في شيء من تواريخ السابقين .
« كيف » لا ؟ وقد عَلِم الكُلّ أنّ عزّها مهدّد بالذلّ « وصفوها مشوبٌ بالكَدِر »
والهَمّ ، وحياتها عرضةٌ للموت ، وصحّتها مخطرةٌ بالسقم ، وغناها بالفقر ، وزخارفها
بالزوال ، ونِعَمِها بالفناء ، وجمعها بالتفرّق ، وحلوُها ممزوجٌ بالمرّ ، وشهدها بالسمّ ،
وسرورها بالحزن .
« قد اقتفى إدبارها » تابعاً « إقبالها » فتراها بعد القليل من الإقبال الموقّت
مدبرةً عنك « وإن أتت » إليك « عفواً » أي : بغير كلفة على الفرض البعيد « فلا جدوى
لها » ولا فائدة ، حيث إنّها تزول عنك بسرعة وتبقى عليك تبعاتها .
« بنيّ إنّ العيش » وهو السرور والحياة الطيّبة وما يعاش به من أنواع الرزق