تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 366

مساهمون:

ص٣٦٦
شرح
في الكلّ مخطئ ، وفي قيله آثم . أمّا خطاؤه وجهله بالمبنى ؛ فلزعمه أنّ مطلق السؤال لإنجاح المطلب عبادةٌ من السائل للمسؤول . أو لزعمه أنّ القول بوجوب الطاعة لزيد مثلا مستلزمٌ للقول بلزوم عبادته ، وأنّ من أطاع أحداً فقد عبده ، بدعوى أنّ الإطاعة نحوٌ من العبادة ؛ احتجاجاً بقوله تعالى : ( أن لا تعبدوا الشيطان ) ( 1 ) أي : لا تطيعوه . وأنت خبير بأنّ كلاّ من الأمرين وهمٌ فاسد ، وخطأ واضح . أمّا الأوّل ؛ فلأنّ العرف أقوى شاهد على الفرق بين التوسّل استشفاعاً وبينه عبادةً ، فكم ترى توسّل الضعفاء بالأقوياء في إنجاح مآربهم ؟ وكم ترى سؤال الفقراء للأغنياء لتحصيل معايشهم ؟ وكم ترى لواذ كثير من مقصّري الرعايا بالوجهاء لدى الحاكم استشفاعاً بهم لعفوه عنهم ؟ أفترى كلّ أُولئك كفّاراً مشركين ، وأنّ توسّلاتهم عبادةً منهم لمن فوقهم من المسؤولين ؟ أو هل يرضى أحدٌ منهم بتسمية سؤاله عبادة ؟ أوليس يتحاشى كلٌّ منهم عن ذلك ؟ أوليس ينسب الجهل أو الجنون إلى من يسمّي أسئلتهم عبادة ، أو يسمّي الشفيع معبوداً ، فانظر ماذا ترى ، وأنصف ماذا تحكم في ذلك كلّه ، وأنّ الفرق بينها وبين التوسّلات العباديّة وأسئلة المخلوقين للخالق تعالى في حوائجهم لغنيٌّ عن البيان ، وعن إقامة البرهان ، بعد وضوحه لدى عرف الخواصّ والعوامّ . بل يمكن أن يقال : إنّ توسّلات الناس بعضهم ببعض لقضاء الحاجة أو للشفاعة مختمرٌ في جِبِلّة البشر ، وجرت عليها سيرة العقلاء من بدء الخلقة والخليقة كما يشاهد ذلك في توسّلات الأطفال بأوليائهم في حوائجهم ، ولمحصول مقاصدهم ، ولم يتفوّه أحدٌ أنّ شيئاً من ذلك عبادةٌ أو شرك ، بل لم يخطر ذلك في وهم عاقل أصلا كما هو واضح . والسرّ في ذلك كلّه : أنّ التوحيد مرتكز في الأذهان ، ومختمر في النفوس ،
هامش
( 1 ) يس : 60 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 366 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني