ولا ترجّح طرفاً على طرف * وكلّ ما رجوت أمنَه فخَف
بُنيّ لا تخضع لغير الباري * فإنّه مثلُك في افتقار
وإن دَعَتك حاجةً مهمّه * فاسأل قضاها من وليّ النعمة
مستشفعاً بمن له أن يشفعا * بإذنه ولم يخب إن شفعا
شرح
فلا تفرّط في أحدهما « ولا ترجّح طرفاً » منهما « على طرف » آخر ، فإنّهما
كفّتي ميزان ، مهما رجّحت إحداهما خفّت الأُخرى ، وهلك صاحبها . إمّا باليأس ،
وهو الشرك ، أو أعظم منه . وإمّا بالاقتحام في مهلكات الذنوب والاجتراء على
كبائر المعاصي ، وإنّ منها ما تستصغره من ذنوبك « وكلّ ما » تراه مأموناً من العقاب
عليه و « رجوت أمنَهُ » بدعوى يقين العفو عنه احتقاراً به « فخَف » من ذلك مخافةً
عظيمةً ، فإنّ الصغيرة من الذنوب تنقلب باستصغارها كبيرةً موبقةً كما في الحديث ( 1 ) .
ثمّ أي « بنيّ لا تخضع » متذلّلا « لغير الباري » تعالى ، ولا تُحِط قدرَك بالتوسّل
إلى مخلوق طمعاً في تحصيل جاه أو مال ، « فإنّه مثلك في افتقار » إلى ربّه سبحانه
« وإن دعتك حاجةً مهمّةً » إلى السؤال « فاسأل قضاها من وليّ النعمة » الّذي بيده أزمّة
الأُمور ، وإليه تحنّ القلوب ، وعنده مفاتيح الكنوز والغيوب ، وإنّ التذلّل بين يديه
عزٌّ وشرف ، وأمّا الخضوع للمخلوقين والسؤال منهم فذلٌّ وسرفٌ وجهلٌ وحُمق .
وكُن « مستشفعاً » في حوائجك إلى مولاك وسؤالك إيّاه « بمَن له » الرخصة
في « أن يشفعا » لديه « بإذنه » وهو الّذي تُقبل شفاعته « ولم يخب إن شفعا » وهم
المشار إليهم في قوله تعالى : ( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى وهم من خشيته
مشفقون ) ( 2 ) وفي طلعتهم سيّد الأنبياء وخاتمهم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ثمّ أهل بيته وعترته
المعصومون ( عليهم السلام ) ، ثمّ الأمثل فالأمثل ، والأقرب إليهم فالأقرب .
هامش
( 1 ) نهج البلاغة ( صبحي الصالح ) : 535 الحكم 348 ، الكافي 2 : 288 / 1 ، الوسائل 15 : 337
أبواب جهاد النفس باب 48 ح 3 بتفاوت .
( 2 ) الأنبياء : 28 .