تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 355

مساهمون:

ص٣٥٥
والقوتُ ما قدّره الله يَصِل * عفواً ، ولا تخلط محرّماً بحِلّ وارض بما قسّمه الله فمَن * قسّمه هو الرؤوف ذو المِنَن لم يَرْعَ إن أفقر عبداً إلاّ * صلاحه ولا يكون بُخلا
شرح
« و » إنّ « القوت » هو « ما قدّره الله » تعالى لك ، وأنّه « يَصِل » إليك « عفواً » أي : وسطاً بين الزيادة المطغية والنقيصة المردية ، مأخوذٌ من قوله تعالى : ( ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ) ( 1 ) بمعنى : الوسط . فلا تمدّنّ عيناً ولا يداً ولا رجلا إلى الحرام أبداً « ولا تخلط محرّماً بحِلٍّ » قد قسّمه الله تعالى لك ، كما قال عزّ من قائل : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم ) ( 2 ) وإنّ المقدّر المقسوم واصلٌ إليك لا محالة ، سواء قنعتَ أو حرصتَ وقد قال تعالى : ( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ( 3 ) . وقد تقدّم الكلام في ذلك في الخاتمة الثانية ، فراجع . ثمّ يا بُنيَّ إن أصابك الفقر يوماً فاصبر « وارضَ بما قسّمه الله » تعالى لك « فمَن » قدّره و « قسّمه » إنّما « هو » الربّ « الرؤوف » بعباده ، و « ذو المنن » العظيمة عليهم ، وإنّه جلّ وعزّ « لم يَرْعَ » أي : لم يقصد « إن أفقر عبداً إلاّ » مصلحة ذلك العبد و « صلاحه » في دنياه وعُقباه . « ولا يكون » ذلك منه سبحانه « بُخلا » على عبده الفقير المحتاج إليه ، فرُبّ عبد فقير لو أغناه الله تعالى لَطَغى على ربّه وتعدّى حدوده : إمّا بظلم للناس في أنفسهم وأموالهم . وإمّا بحبس الحقوق الشرعيّة والتهاون في الفرائض الدينيّة ، فهو لا يصلحه إلاّ الفقر ، ورُبّ عبد لا يصلحه إلاّ الغنى والثروة ، ولو افتقر لكَفَرَ بربّه وارتدّ عن دينه . فالمولى الخبير العليم بما يصلحهم وما يفسدهم لا يختار لهم إلاّ ما هو أنفع
هامش
( 1 ) البقرة : 219 . ( 2 ) الزخرف : 32 . ( 3 ) الذاريات : 22 .