والقوتُ ما قدّره الله يَصِل * عفواً ، ولا تخلط محرّماً بحِلّ
وارض بما قسّمه الله فمَن * قسّمه هو الرؤوف ذو المِنَن
لم يَرْعَ إن أفقر عبداً إلاّ * صلاحه ولا يكون بُخلا
شرح
« و » إنّ « القوت » هو « ما قدّره الله » تعالى لك ، وأنّه « يَصِل » إليك « عفواً »
أي : وسطاً بين الزيادة المطغية والنقيصة المردية ، مأخوذٌ من قوله تعالى :
( ويسئلونك ماذا ينفقون قل العفو ) ( 1 ) بمعنى : الوسط .
فلا تمدّنّ عيناً ولا يداً ولا رجلا إلى الحرام أبداً « ولا تخلط محرّماً بحِلٍّ » قد
قسّمه الله تعالى لك ، كما قال عزّ من قائل : ( نحن قسمنا بينهم معيشتهم ) ( 2 ) وإنّ
المقدّر المقسوم واصلٌ إليك لا محالة ، سواء قنعتَ أو حرصتَ وقد قال تعالى :
( وفي السماء رزقكم وما توعدون ) ( 3 ) .
وقد تقدّم الكلام في ذلك في الخاتمة الثانية ، فراجع .
ثمّ يا بُنيَّ إن أصابك الفقر يوماً فاصبر « وارضَ بما قسّمه الله » تعالى لك
« فمَن » قدّره و « قسّمه » إنّما « هو » الربّ « الرؤوف » بعباده ، و « ذو المنن »
العظيمة عليهم ، وإنّه جلّ وعزّ « لم يَرْعَ » أي : لم يقصد « إن أفقر عبداً إلاّ » مصلحة
ذلك العبد و « صلاحه » في دنياه وعُقباه .
« ولا يكون » ذلك منه سبحانه « بُخلا » على عبده الفقير المحتاج إليه ، فرُبّ
عبد فقير لو أغناه الله تعالى لَطَغى على ربّه وتعدّى حدوده : إمّا بظلم للناس في
أنفسهم وأموالهم . وإمّا بحبس الحقوق الشرعيّة والتهاون في الفرائض الدينيّة ، فهو
لا يصلحه إلاّ الفقر ، ورُبّ عبد لا يصلحه إلاّ الغنى والثروة ، ولو افتقر لكَفَرَ بربّه
وارتدّ عن دينه .
فالمولى الخبير العليم بما يصلحهم وما يفسدهم لا يختار لهم إلاّ ما هو أنفع
هامش
( 1 ) البقرة : 219 .
( 2 ) الزخرف : 32 .
( 3 ) الذاريات : 22 .