فطهّر الباطن بالتفكّر * في خلقك المُحتقر المُفتقر
وأعمل الفكرة حتّى تعلما * ممّ وفيم وإلى مَ ولِما ؟
وطهّر القلب من الوساوس * وابذل له القُوى ولا تماكس
شرح
القذرين طاهرٌ » جسداً « و » لكن « إنّما الطاهر منك الظاهر » من بدنك عن
النجاسات الظاهريّة ، وإنّ ذلك وإن كان مهمّاً لازماً ، ولكن الأهمّ منه تطهير القلب
والنفس عن النجاسات الباطنيّة ، ورذائل الصفات الواقعيّة « فطهّر الباطن بالتفكّر »
العميق « في خلقك المحتقر » ووجودك الحقير الصغير الذليل « المفتقر » المحتاج
أيّام حياته في جميع أُمور معيشته إلى غيره أكثر من حاجة غيره من أصناف
البهائم ودوابّ البرّ والبحر .
« وأعمل الفكرة » الدقيقة « حتّى تعلما » عن بصيرة « ممّ » خُلقت « وفيمَ » أنت
ساكنٌ في هذه الحياة العارية ، والدار الفانية « وإلى مَ » يكون مصيرك بعدها ؟
« ولما » ذا خُلقت كما قال تعالى : ( فلينظر الإنسان ممّ خلق ) ( 1 ) ( وما خلقت
الجنّ والإنس إلاّ ليعبدون ) ( 2 ) ( أيحسب الإنسان أن يترك سدًى ) ( 3 ) ( أفحسبتم
أنّما خلقناكم عبثاً ) ( 4 ) .
إلى غير ذلك من الآيات الدالّة على مبدئك ومنتهاك ، وعلّة إيجادك وفناء
مسكنك .
« وطهّر القلب » بالتأمّل التامّ في تلك الأُمور « من الوساوس » الشيطانيّة
والرذائل النفسانيّة ، ومن حُبّ الجاه والرفعة الدنيويّة .
« وابذل له » أي : في سبيل التطهير عنها ، كلّ ما عندك من « القُوى » العقليّة
« ولا تماكس » ولا تبخل في بذل النفس والنفيس ثمناً لحصول تلك الطهارة الثمينة ،
هامش
( 1 ) الطارق : 5 .
( 2 ) الذاريات : 56 .
( 3 ) القيامة : 36 .
( 4 ) المؤمنون : 115 .