وكلّ من عاش على ما حرما * خاب ومن رزق الحلال حُرِما
وما عليه قَلَمُ التقدير * جرى من البسط أو التقدير
لم يك إلاّ لصلاح العبد * فهو بما جرى وليّ الحمد
شرح
تسمية السبب باسم ذي السبب واقع كثيراً ، وذلك أمرٌ شائعٌ لديهم ، كما في عكسه ،
وهو تسميته ذي السبب باسم السبب نفسه ، وإن شئت قلت : تسمية المباشر باسم
السبب وبالعكس ، كما يقال مثلا : إنّ السلطان قتل فلاناً وإن لم يباشر ذلك بنفسه .
وعليه ، فإن كان السبب للرزق هو الشغل - مثلا - انتسب ذلك إليه عرفاً ،
فيقال : إنّ فلاناً يعيش بشغله وتجارته ، و « إن قام » السبب « بالعبد » المباشر للعطاء
« فللعبد » المُعطي « انتُسِبَ » فيقال مثلا : لولا فلانٌ ما عاش زيدٌ ، وذلك مع العلم
القطعي بأنّ تلك الوسائط لم يكن مَثَلُها إلاّ مَثَلُ المنشار بكفّ النجّار ، أو القلم بيد
الكاتب ، وأمثال ذلك من الآلات ، مع أنّ العمل في كلّ ذلك لم يكن إلاّ من الكفّ
القابض على تلك الآلات الجماديّة ، لا منها بنفسها .
ثمّ « و » قد عرفت أيضاً فيما ذكرنا : أنّ « كلّ من عاش على ما حرما » من
ضروريّات المعيشة « خاب » سعيه ، وخَسِرَ آخرته « ومن رزق الحلال » في دنياه
قد « حُرِما » و ( وذلك هو الخسران المبين ) ( 1 ) .
ثمّ اعلم أنّ ما قُدّر للعبد « وما » كتبه « عليه قَلَمُ التقدير » وما « جرى » في علم
الربّ سبحانه « من البسط » بمعنى : السعة « أو التقدير » بمعنى : الضيق - وذلك
مأخوذ من قوله تعالى : ( يبسط الرزق لمن يشاء ويقدر ) ( 2 ) ( ومن قدر عليه
رزقه ) ( 3 ) - كلّ ذلك « لم يك إلاّ لصلاح العبد » في دنياه وآخرته ، ولم يكن ذلك
لبُخل منه تعالى - والعياذ بالله - ولا عبث ، ولا لأمر يرجع نفعه أو ضرره إليه
سبحانه ، فإنّه عزّ وجلّ قد تعالى عن كلّ ذلك علوّاً كبيراً .
هامش
( 1 ) الحجّ : 11 .
( 2 ) الشورى : 12 .
( 3 ) الطلاق : 7 .