والرازق الله ولكنّ السبب * إن قام بالعبد فللعبد انتسب
شرح
الفقير ، ثمّ يعاقبه على تناوله ؟ وهل هو إلاّ ظلمٌ فاحشٌ تتنزّه عمّا دونه ساحة
الباري تعالى ؟ وهل يرضى بنسبة ذلك إليه سبحانه إلاّ الجبريّ المنكر لعدله جلّ
وعلا ؟ ( إن هذا إلاّ إفك افتراه وأعانه عليه قوم آخرون فقد جاءوا ظلماً
وزوراً ) ( 1 ) وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً .
وهل يجوز نقض حكم الكتاب والسنّة والعقل والإجماع بمثل ذلك الحديث
الشاذّ ، ولا سيّما من ذلك الراوي المعترف على نفسه الشقاوة ، والمصرّح بأنّ
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وصفه بالعداوة لله ؟
وكلّ ذلك بعد تقدير تسليم دلالته على دعوى الخصم ، مع أنّ المنع منه أيضاً
بمكان من الإمكان لو لم نقل بدلالته على خلاف مدّعاه ، بل على عكس مزعومه .
فتأمّل فيه جيّداً .
ثمّ إنّك بعد ما علمت إجماع أهل الحقّ على الحقّ المنصور ، فاعلم أيضاً
اتّفاقهم على أنّ أمر الرزق وإنزاله منحصرٌ فيه تعالى « و » أنّ « الرازق » لجميع
الكائنات ليس إلاّ « الله » وحده سبحانه ، ولم يشاركه في ذلك أحدٌ من خليقته ،
لا مَلَكٌ مقرّب ولا نبيّ مرسل ، خلافاً لبعض الملاحدة الّذين قالوا بتفويض ذلك
- والعياذ بالله - إلى النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أو الأئمّة ( عليهم السلام ) على ما تقدّم بيانه مقروناً ببيان
فساده ( 2 ) وكون ذلك كفراً وغلوّاً ، بل شركاً وإلحاداً .
« ولكن » مع ذلك لا مانع من القول بأنّ « السبب » لنزول الرزق منه تعالى
كثيراً ما يختلف ، فربما يكون السبب له هو الدعاء ، أو الشفاعة من نبيٍّ أو وليّ .
وأُخرى يكون العمل والتجارة . وثالثة يكون من الحقوق الشرعيّة ، أو المبرّات
الخيريّة ، وهكذا .
وبذلك ترى انتساب الرزق إلى السبب أحياناً لدى العُرف مجازاً ، من باب
هامش
( 1 ) الفرقان : 4 .
( 2 ) راجع ص 163 وما بعدها .