فهل ترى أمر الورى يُلقى إلى * أمثالهم فيَنصبون الأوّلا
شرح
وأكرم جنوده شيخ القبيلة بالطعام والشراب وغيرهما .
ولذلك لمّا رجع خالد بجنوده إلى الخليفة الأوّل استشاط الخليفة الثاني غضباً
عليه ، وهمّ بقتله قصاصاً عن جنايته بأُولئك المسلمين ، وسائر منكراته بأعراضهم
وأموالهم ، ومنعه الخليفة الأوّل عن القصاص ، معتذراً بأنّ خالداً ناصره ، وسيفه ،
وعضده ، ومشيّد خلافته ( 1 ) .
وبالجملة ، فلا شبهة في أنّ الّذين امتنعوا عن دفع الزكاة إلى الرجل في بدء
أمره لم يكونوا مرتدّين ، وكانوا من أهل الشهادتين ، قائمين بوظائف الدين من
الصوم والصلاة وغيرهما ، وأنّهم لم ينكروا وجوبها كي تصدق عليهم الردّة ، ولذلك
فرّقها بنو حنيف في فقرائهم ( 2 ) ثمّ بعد الامتناع لم يستمرّوا عليه ، وإنّما أخّروا دفعها
إلى حين استقرار الأمر كما ذكرنا .
ويشهد لذلك اعتذار الخليفة عن قتل رجالهم ، وسبي نسائهم ، وهتك
أعراضهم ، ونهب أموالهم ، ترميماً لعمل ناصره وعضده بأنّهم لم يدفعوها له ، فقال :
والله لو منعوني عقالا لقاتلتهم بالارتداد ( 3 ) .
وبذلك يُعلم أنّ تُهمة أذنابه لهم بذلك ليس إلاّ كذباً محضاً ، ورجماً بالغيب ،
بهتاناً وزوراً ، وقد قال تعالى : ( إنّما يفتري الكذب الّذين لا يؤمنون ) ( 4 ) .
ثمّ إذ قد ثبت لك كلّ ما ذكرنا كثرة وجود المنافقين في أصحاب النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم )
« فهل ترى » أنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) يترك « أمر الورى » أبد الدهر ، و « يُلقى » زمامهم « إلى »
أُولئك الفسقة و « أمثالهم ، فينصبون الأوّلا » بآرائهم السخيفة ، وشهواتهم المردية ، ثمّ
هامش
( 1 ) انظر الغدير 7 : 161 ، والتعجب ( الكراجكي ) : 40 .
( 2 ) انظر تاريخ ابن أعثم ( الفتوح ) 1 : 40 فما بعد .
( 3 ) انظر صحيح مسلم 1 : 51 / 20 ، سنن أبي داود 2 : 93 / 1556 ، سنن الترمذي 4 :
117 / 2734 ، وفي الكلّ : لقاتلتهم على منعه .
( 4 ) النحل : 105 .