شرح
الّذين « عن الزكاة امتنعوا » ولم يدفعوها لأبي بكر « دعوى بلا » برهان ، وأنّها
تخرّص بالغيب ، ولا قيمة لمثلها في سوق الاعتبار لدى العقلاء .
وثانيها : أنّه اشترط بعضهم في الصحابي وصحّة إطلاق اللفظ عليه : إقامته مع
النبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) مؤمناً به مدّة لا تقلّ عن سنة أو سنتين ، مع حضوره في غزواته بما
لا يقلّ عن مرّة أو مرّتين ، ومن المعلوم المثبت في التواريخ الصحيحة - على ما
ذكره صاحب الفتوح - أنّ القبائل الكثيرة من بني حنيف وبني كندة وغيرهم الّذين
امتنعوا عن دفعها للرجل لعدم إذعانهم بخلافته ( 1 ) لم يحصل فيهم الشرط ،
ولم يحضروا بأجمعهم شيئاً من غزوات النبيّ . فلم يصحّ إطلاق الصحابة عليهم ،
ولا يمكن إرادتهم من المرتدّين من الصحابة .
وثالثها : بعد الغضّ عن ذلك أنّ القوم اشترطوا أيضاً في الصحابي ثباته على
الإيمان مدّة حياته بحيث لو ارتدّ عن ذلك انتزع عنه الاسم .
وعليه ، فبعد تسليم إنكار تلك القبائل للزكاة لا يصحّ إطلاق الصحابة عليهم ،
وذلك لخروجهم عن الدين ، فلا يصحّ حمل ما في تلك الأحاديث من المرتدّين
عليهم .
ورابعها : أنّه يُكذّب تلك الدعوى من ذاك الناصب العنيد ما ذكره ابن حزم
- وهو من أبناء نحلته - في أحكام المرتدّين من كتابه : المحلّى ، فإنّه قال : أهل الردّة
على قسمين : فمنهم : من لم يؤمن قطّ ، كأصحاب مسيلمة وسجاح ، إلى
أن قال :
والثاني : قومٌ أسلموا ولم يكفروا بعد إسلامهم ، لكن منعوا الزكاة أن يدفعوها
إلى أبي بكر ، فعلى هذا قوتلوا ، ولم يختلف الحنفيّون والشافعيّون في أنّ هؤلاء
ليس لهم حكم المرتدّ أصلا ، وهم قد خالفوا فعل أبي بكر فيهم ، ولا نسمّيهم
أهل الردّة .
هامش
( 1 ) انظر الفتوح ( لابن أعثم ) : 47 - 70 .