وكونه المنعم لا يحسّن * إيجاب ما يشقّ وهو بيّن
فمن أتى بواجب أو مستحبّ * أو عن حرام كفّ نفسه يثب
يُثيبه ربّ المجازاة بما * يسرّه مجلّلا معظّماً
شرح
بعيداً عن الهموم والزوال .
ولا يُتوهّم تدارك تلك المشقّة بالنِعَم الدنيويّة ، فإنّ إنعامه تعالى على العبيد
« وكونه المنعم » بها عليهم لا يكافئ تلك المشقّات الكثيرة ، و « لا يحسّن » لدى
العقل والعقلاء « إيجاب ما يشقّ » عليهم من الصبر على تعب الطاعة واجتناب
المعصية واحتمال المكاره في سبيل ذلك من غير أُجور أُخرويّة « وهو » أمرٌ
« بيّن » لديهم ، أما ترى قُبح تكليف الضيوف بأُمور شاقّة مع جعل أُجرتهم عليها
نفس تلك الضيافة المدعوّين إليها .
هذا ، مع ما يشاهد وجداناً من تعميم تلك النِعَم الدنيويّة بين المطيع والعاصي ،
والمؤمن والكافر ، بل المشاهد أيضاً أكثريّتها للأخيرين من الصنفين ، ومعه كيف
يمكن كونها أُجوراً للصنفين الأوّلين ، مع اشتراك غيرهما لهما فيها ؟
وعليه « فمن أتى بواجب أو مستحبٍّ » شرعي إطاعةً لأمره تعالى ، وتقرّباً إليه
« أو عن حرام كفّ نفسه » اختياراً خوفاً منه سبحانه « يُثَب » بمثوبات أُخرويّة ، على
نحو الأجر والاستحقاق « يثيبه » غداً « ربّ المجازاة بما » يكون جزاءً له ،
و « يسرُّه » بذلك ، ويصيّره « مجلّلا معظّماً » في جنّته ودار كرامته .
هذا ، ولكنّ الأقوى في النظر هو القول الآخر ، فإنّ ما ذكر الأوّلون من
الاحتجاج ، واختاره السيّد العلاّمة ( قدس سره ) إنّما يتمّ لو كان جعل التكليف لمصلحة الآمر
به ، وتكون الفائدة منه راجعةً إليه ، وأمّا لو كان ذلك لمصلحة العبد المأمور ،
بلا حصول شيء من فوائده للمولى أصلا ، مع استغنائه عنها جمعاء . فلا نسلّم القبح
في جعل الأجر عليه نفس النِعَم الحاضرة .
بل يمكن أن يقال : أن لا قُبح في التكليف من غير أُجرة أصلا ورأساً لا معجّلةً