وما أتى العبد بسوء عمله * من العذاب جاءه من قِبَلهِ
فهو بما قد كسبت يداه * ينال ما أوعده الإله
لكنّه منقطعٌ عقابه * وينتهي وإن يطل عذابه
إذ يستحقّ العبد بالإيمان * من وعده الخلود بالجنان
شرح
هذا ، ولكن لا يذهب عليك أنّ ذلك إنّما يتمّ بالإضافة إلى نفوس العامّة ، حيث
إنّ حكم العقل بلزوم إطاعة العبد لمولاه وقُبح عصيانه له ، لا يكفيهم باعثاً ورادعاً ،
بل لابدّ للشرع من تتميم ذلك بجعل العقوبة وإبداء الوعيد على المعصية ، وحينئذ
يكون ترك ذلك ظلماً كما عرفت .
وأمّا بالنسبة إلى الخواصّ من أهل الدين المتجنّبين عن كلّ قبيح عقلي ، مع
انتباههم للتلازم بين حكمه وحكم الشرع ، وسببيّة حكمه بالقبح لاستحقاق العقوبة
من الشرع ، فلا ، ولا نسلّم كون ترك الوعيد منه ظُلماً بالنسبة إليهم ، فإنّهم في الغالب
يكفيهم للتجنّب عن كلّ قبيح نفس حكم العقل بتماميّة الحجّة ، واحتمال وقوعهم
في المهلكة بارتكاب المعصية .
ثمّ إنّك قد عرفت فيما تقدّم بطلان الجبر في الأعمال « و » أنّ « ما أتى »
وأصاب « العبد » إنّما هو « بسوء عمله » الاختياري ، وأنّ ما أُعدّ له « من العذاب »
الأُخروي ما « جاءه » شيءٌ منه إلاّ « من قِبَله » ( وما ربّك بظلاّم للعبيد ) فلا يلومنّ
إلاّ نفسه ، ولا يخدشنّ إلاّ وجهه « فهو بما قد كسبت يداه » واقتحمت نفسه في
موبقات الذنوب « ينال ما أوعده الإله » من الانتقام الأُخروي ، و « لكنّه » أنّ
المؤمن - كما عرفت - « منقطع عقابه » من غير خلود أبدي وإن مات من غير توبة
« و » أنّه « ينتهي » عنه العذاب برحمته تعالى وشفاعة خلفائه ( عليهم السلام ) « وإن يَطُل
عذابه » على قدر ذنوبه ، وذلك « إذ » قد عرفت أنّه « يستحقّ العبد بالإيمان » الثابت
العفو والمغفرة ، بمقتضى ما ثبت كتاباً وسنّةً « من وعده » سبحانه بذلك بقوله تعالى :
( قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر