تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 321

مساهمون:

ص٣٢١
وما أتى العبد بسوء عمله * من العذاب جاءه من قِبَلهِ فهو بما قد كسبت يداه * ينال ما أوعده الإله لكنّه منقطعٌ عقابه * وينتهي وإن يطل عذابه إذ يستحقّ العبد بالإيمان * من وعده الخلود بالجنان
شرح
هذا ، ولكن لا يذهب عليك أنّ ذلك إنّما يتمّ بالإضافة إلى نفوس العامّة ، حيث إنّ حكم العقل بلزوم إطاعة العبد لمولاه وقُبح عصيانه له ، لا يكفيهم باعثاً ورادعاً ، بل لابدّ للشرع من تتميم ذلك بجعل العقوبة وإبداء الوعيد على المعصية ، وحينئذ يكون ترك ذلك ظلماً كما عرفت . وأمّا بالنسبة إلى الخواصّ من أهل الدين المتجنّبين عن كلّ قبيح عقلي ، مع انتباههم للتلازم بين حكمه وحكم الشرع ، وسببيّة حكمه بالقبح لاستحقاق العقوبة من الشرع ، فلا ، ولا نسلّم كون ترك الوعيد منه ظُلماً بالنسبة إليهم ، فإنّهم في الغالب يكفيهم للتجنّب عن كلّ قبيح نفس حكم العقل بتماميّة الحجّة ، واحتمال وقوعهم في المهلكة بارتكاب المعصية . ثمّ إنّك قد عرفت فيما تقدّم بطلان الجبر في الأعمال « و » أنّ « ما أتى » وأصاب « العبد » إنّما هو « بسوء عمله » الاختياري ، وأنّ ما أُعدّ له « من العذاب » الأُخروي ما « جاءه » شيءٌ منه إلاّ « من قِبَله » ( وما ربّك بظلاّم للعبيد ) فلا يلومنّ إلاّ نفسه ، ولا يخدشنّ إلاّ وجهه « فهو بما قد كسبت يداه » واقتحمت نفسه في موبقات الذنوب « ينال ما أوعده الإله » من الانتقام الأُخروي ، و « لكنّه » أنّ المؤمن - كما عرفت - « منقطع عقابه » من غير خلود أبدي وإن مات من غير توبة « و » أنّه « ينتهي » عنه العذاب برحمته تعالى وشفاعة خلفائه ( عليهم السلام ) « وإن يَطُل عذابه » على قدر ذنوبه ، وذلك « إذ » قد عرفت أنّه « يستحقّ العبد بالإيمان » الثابت العفو والمغفرة ، بمقتضى ما ثبت كتاباً وسنّةً « من وعده » سبحانه بذلك بقوله تعالى : ( قل يا عبادي الّذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر