وما على خلود عاص مؤمن * دلّ مؤوّل بطول الزمن
شرح
الذنوب جميعاً إنّه هو الغفور الرحيم ) ( 1 ) .
وبذلك صحّ للعبد الجاني أن يطالبه بالوعد ، ويسأله « الخلود بالجنان » ولو بعد
تمحيصه وتصفيته من الذنوب بشيء من أنواع العذاب ، خلافاً ( 2 ) وقد خالف في
ذلك طائفة من المعتزلة المتسمّين بالوعيديّة ، فإنّهم قالوا بخلود أصحاب الكبائر ( 3 )
لظاهر قوله تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله ويتعدّ حدوده يدخله نارا خالداً فيها ) ( 4 ) .
ووضوح استمرار الذمّ من العقل على سبيل استمرار مدحه على الطاعة ،
ووضوح التلازم بين حكمه وحكم الشرع ، ويكون المتحصّل من الأمرين استمرار
العذاب لهم ، وخلودهم فيه ، وفاقاً لحكم العقل بدوام القبح واستمرار الذمّ .
والجواب : أمّا عن الأوّل ؛ فبأنّ كلامه تعالى في الآية الشريفة « و » سائر « ما »
دلّ بظاهره « على خلود عاص مؤمن » فهو وإن « دلّ » على ذلك بمقتضى الظاهر أو
الإطلاق ، ولكنّه « مؤوّل بطول الزمن » جمعاً بينه وبين غيره من الأدلّة القطعيّة ، وأنّ
إطلاق الخلود أو الأبد على طول الزمان رائجٌ لدى العرف ، كما في قولهم مثلا : إنّ
فلاناً قد حكم عليه بالحبس المؤبّد ، أو بالنفي الأبدي ، ولا شبهة في كون ذلك
محدوداً بمدّة عمره ، ومنتهياً بانتهاء أجله ، ومع ذلك صحّ إطلاق المؤبّد على تلك
المدّة ؛ لطولها إطلاقاً صحيحاً شائعاً ، أو أنّه مؤوّل باختصاص ذلك بغير المؤمن
المذكور ، فيكون المراد من العصيان هو العصيان بالكفر أو النفاق .
وأمّا عن الثاني ؛ فبالنقض أوّلا بالصغائر ، حيث إنّ ملاك الذمّ والعقاب عقلا
وشرعاً - وهو العصيان - مشتركٌ بينها وبين الكبائر ، مع أنّه لا خلود مع الصغيرة
قطعاً وإجماعاً وتسالُماً من الخصم ، ومن ذلك يُعلم عدم سببيّة العصيان للخلود
مطلقاً في جميع الموارد .
هامش
( 1 ) الزمر : 53 .
( 2 ) كذا ، ويمكن أن يكون زائدة .
( 3 ) حكاه عنهم التفتازاني في شرح المقاصد 5 : 135 .
( 4 ) النساء : 14 .