مشقّة التكليف لابدّ وأن * يجبرها مَن هو بالتكليف مَنّ
فمنّ لُطفاً بثواب لازب * يناله صفواً من الشوائب
شرح
وثانياً بالحلّ ، بأنّ ذلك بعد تسليمه لا يقتضي وجوب الخلود ، وإنّما غاية ذلك
جوازه ، واقتضاء العصيان لذلك ، ومن الواضح أنّ ذلك غير مناف للعفو وأدلّته ،
فلابدّ من الجمع بينهما بالتأويل كما ذكرنا ، ولا سيّما بعد عدم إمكان طرح أدلّة
العفو ؛ لتظافرها بل تواترها وعدم جواز الغضّ عن نصوصها بظاهر ما تمسّك به
الخصم ، مع كون القول به شاذّاً لم يعبأ به إجماع المسلمين ؛ لكونه في غاية الشذوذ ،
وموجباً لطرح تلك الأدلّة الكثيرة كتاباً وسنّةً ، بل وإجماعاً وعقلا ، بناءً على بعض
الوجوه ، وقد تقدّم في الركن الثالث والرابع ما يفيدك في المقام فراجع .
ثمّ إنّهم بعد اتّفاقهم على كون العقاب للعاصي على نحو الاستحقاق اختلفوا
بينهم في مسألة الثواب للمطيع ؛ هل هو أيضاً على نحو الاستحقاق ؟ أو أنّه تفضّلٌ
محضٌ من غير استحقاق ؟
فقيل بالأوّل ( 1 ) احتجاجاً بأنّ « مشقّة التكليف » من المولى بالعبادة « لابدّ
وأن » تكافأ بتعويض أجر على العبد ، وأنّ تركه قبيحٌ عقلا ، ولا سيّما مع وعيد
العقاب على ترك الطاعة ، فلا محيص بحكم العقل واقتضاء العدل من أن يتدارك
تلك المشقّة الدائمة مدّة العمر ، و « يجبرها مَن هو بالتكليف مَنَّ » عليه لُطفاً .
وعليه ، فيجب على الباري تعالى تعويض الثواب على متحمّل مشقّة العبادات
وترك لذائذ المنهيّات . نعم ، إنّ القدر الواجب منه إنّما هو ما يُجبر به تلك المشقّة ،
وأمّا الزائد من ذلك بموهبة تلك النِعَم الأُخرويّة الدائمة الخارجة عن حدَّي
الإحصاء والانتهاء ، فهو لُطفٌ محضٌ ، وعنايةٌ زائدةٌ منه سبحانه « فمَنّ لطفاً بثواب
لازب » أي : ثابت أبدي « يناله » العبد « صفواً » خالصاً « من الشوائب » والأكدار ،
هامش
( 1 ) انظر شرح المقاصد ( للتفتازاني ) 5 : 126 .