أوعد والوعيد منه لطفٌ * بل عدم الوعيد ظُلمٌ صرف
كيف ! ولو لم يسبق الوعيد * منه لما أطاعه العبيد
شرح
مجرماً فإنّ له جهنّم لا يموت فيها ولا يحيى ) ( 1 ) ( كلوا من طيّبات ما رزقناكم
ولا تطغوا فيه فيحلّ عليكم غضبي ) ( 2 ) .
إلى غير ذلك من الآيات الكثيرة الدالّة على ذلك ، فضلا عن المأثور في ذلك
من أحاديث الفريقين ( 3 ) فالاستحقاق المذكور ثابتٌ بالأدلّة الأربعة كلّها ، عقلا
ونقلا ، لم يخالف فيه إلاّ شرذمة من المعتزلة ( 4 ) حيث أنكروا حكم العقل باستحقاقه
الذمّ والعقاب على المخالفة والعصيان ، بدعوى أنّه لو كانت المخالفة علّة
للاستحقاق لزم الحكم بذلك أيضاً فيما إذا صدرت منه بحال الغفلة أو الكُره أو
النوم وأمثالها ، وهو باطل قطعاً ، وبذلك يُعلم عدم العلّية بينهما ، وإلاّ لزم تخلّف
المعلول عن علّته في مثل تلك الموارد ، واستحالة ذلك واضح .
والجواب : أنّ المدّعى المطلوب إنّما هو سببيّة العصيان فقط ، لا مطلق
المخالفة ، وذلك لا يكون إلاّ مع العمد والاختيار ؛ بضرورة حكم العقل والعرف ،
وعليه ، فمثل تلك الموارد خارجٌ عن موضوع البحث أصلا ورأساً كما لا يخفى .
وقد انقدح بذلك حسن ما « أوعد » الشارع المقدّس في الكتاب والسنّة ، من
ترتّب العقاب على العصيان « و » اتّضح لك أنّ « الوعيد منه لُطف » محضٌ ، حيث إنّه
يحذّر العبد عن المعصية ، ويبعّده عن المهلكة ، وذلك حقيقة اللطف وغاية الإحسان .
« بل » من الواضح أنّ « عدم الوعيد » منه وإرخاء عنان العبد موجبٌ لاقتحامه
في الهلكة ، وذلك « ظلمٌ صرفٌ » ينزّه عنه الباري تعالى .
« كيف » لا ! « و » قد عرفت أنّه « لو لم يسبق الوعيد » والتحذير « منه لما أطاعه
العبيد » ولتجرّؤوا على عصيانه آمنين من عقابه .
هامش
( 1 و 2 ) طه : 74 و 81 .
( 3 ) على سبيل المثال انظر الكافي ( للكليني ) 8 : 73 .
( 4 ) حكاه عنهم في شرح المقاصد 5 : 126 .