تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 319

مساهمون:

ص٣١٩
والمخلَصون لهم الرضوان * منه فما الحور وما الغلمان إن أذنب المؤمن عقلا استحق * منه العقاب وبه الشرع نَطَق
شرح
أن تشاهد بالأبصار ، أو تحسّ أو تمسّ بالجوارح كما عرفت في باب التوحيد . ثمّ إنّ هناك صنفاً ثالثاً ، وهم أرفع شأناً وأعلى وأعظم درجةً من جميع أهل الجنان « و » هم « المخلَصون » بالفتح ، والمراد بهم المعصومون المكرّمون من الأنبياء والمرسلين ، وخلفائهم الطاهرين ( عليهم السلام ) ، فإنّ أُولئك الأطهار « لهم الرضوان » والتحيّة الخاصّة « منه » تعالى ، الموجبة لهم اللذائذ الروحانيّة ، مضافاً إلى ما لهم فيها من النِعَم الظاهريّة وإنّ تلك اللذائذ النفسيّة الواقعيّة أعظم لديهم من جميع نِعَم الجنان « فما » لذّة « الحور ، وما » نعمة « الغلمان » عندهم ؟ فليس جميعها بالإضافة إلى تلك اللذائذ الروحيّة إلاّ كنسبة الجدول إلى النهر ، بل كنسبة القطر إلى البحر . ونسأله تعالى أن يُمنّ علينا بجميعها بفضله وكرمه ، فإنّه لا ينال أحد من الخلائق شيئاً منها بعمله حتّى المعصومين ( عليهم السلام ) المبرّئين عن كلّ دنس وشَين ، فضلا عن المؤمنين المخابطين على ما تقدّمت الإشارة إليه . ثمّ اعلم أنّه لا شبهة ولا خلاف في أنّ عصيان العبد علّة لاستحقاق العقوبة ، وإنّه « إن أذنب المؤمن » بشيء من الصغائر أو الكبائر استوجب الانتقام منه « عقلا » . و « استحقّ منه » تعالى سوء « العقاب » بعد تماميّة الحجّة عليه ، وإنّه لا يستحقّ شيئاً من العفو والنجاة ، فضلا عن الجنّة والثواب ؛ وذلك لوضوح حكم العقل بأنّ العبد المملوك بعد وفور النِعَم العظيمة عليه من سيّده ، وتماميّة الحجّة لديه ، إن خرج عامداً متعمّداً من ربقة الطاعة ، متجرّئاً على قبيح المعصية استوجب البُعد الأبدي ، والحرمان السرمدي من فواضل نِعَم مولاه ، وذمّه العقل والعقلاء ، واستحقّ المقاطعة من الأولياء . وقد تصافق على ذلك أهل المعرفة الأجلاّء « وبه الشرع » أيضاً « نطق » مستفيضاً ، أو متواتراً في الكتاب والسنّة ، حيث قال سبحانه : ( إنّه من يأت ربّه