والمخلَصون لهم الرضوان * منه فما الحور وما الغلمان
إن أذنب المؤمن عقلا استحق * منه العقاب وبه الشرع نَطَق
شرح
أن تشاهد بالأبصار ، أو تحسّ أو تمسّ بالجوارح كما عرفت في باب التوحيد .
ثمّ إنّ هناك صنفاً ثالثاً ، وهم أرفع شأناً وأعلى وأعظم درجةً من جميع أهل
الجنان « و » هم « المخلَصون » بالفتح ، والمراد بهم المعصومون المكرّمون من الأنبياء
والمرسلين ، وخلفائهم الطاهرين ( عليهم السلام ) ، فإنّ أُولئك الأطهار « لهم الرضوان »
والتحيّة الخاصّة « منه » تعالى ، الموجبة لهم اللذائذ الروحانيّة ، مضافاً إلى ما لهم
فيها من النِعَم الظاهريّة وإنّ تلك اللذائذ النفسيّة الواقعيّة أعظم لديهم من جميع نِعَم
الجنان « فما » لذّة « الحور ، وما » نعمة « الغلمان » عندهم ؟ فليس جميعها بالإضافة
إلى تلك اللذائذ الروحيّة إلاّ كنسبة الجدول إلى النهر ، بل كنسبة القطر إلى البحر .
ونسأله تعالى أن يُمنّ علينا بجميعها بفضله وكرمه ، فإنّه لا ينال أحد من
الخلائق شيئاً منها بعمله حتّى المعصومين ( عليهم السلام ) المبرّئين عن كلّ دنس وشَين ،
فضلا عن المؤمنين المخابطين على ما تقدّمت الإشارة إليه .
ثمّ اعلم أنّه لا شبهة ولا خلاف في أنّ عصيان العبد علّة لاستحقاق العقوبة ،
وإنّه « إن أذنب المؤمن » بشيء من الصغائر أو الكبائر استوجب الانتقام منه
« عقلا » . و « استحقّ منه » تعالى سوء « العقاب » بعد تماميّة الحجّة عليه ، وإنّه
لا يستحقّ شيئاً من العفو والنجاة ، فضلا عن الجنّة والثواب ؛ وذلك لوضوح حكم
العقل بأنّ العبد المملوك بعد وفور النِعَم العظيمة عليه من سيّده ، وتماميّة الحجّة
لديه ، إن خرج عامداً متعمّداً من ربقة الطاعة ، متجرّئاً على قبيح المعصية استوجب
البُعد الأبدي ، والحرمان السرمدي من فواضل نِعَم مولاه ، وذمّه العقل والعقلاء ،
واستحقّ المقاطعة من الأولياء .
وقد تصافق على ذلك أهل المعرفة الأجلاّء « وبه الشرع » أيضاً « نطق »
مستفيضاً ، أو متواتراً في الكتاب والسنّة ، حيث قال سبحانه : ( إنّه من يأت ربّه