تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 318

مساهمون:

ص٣١٨
زفّ إليها الصالحون الخُلّصُ * والخابطون بعد ما قد محّصوا مخلّدين في وجوه ناضرة * لرحمة الله تعالى ناظرة
شرح
ولا شبهة في كون الموجودات مختلفة في القوى المودعة فيها ، وإنّ كمال كلّ منها إنّما هو بحصول الفعليّة لما هو مختمر في طينته الأصليّة من القوّة والقابليّة الذاتيّة ، فلا جرم يكون كمال كلّ شيء بحسبه ، وبذلك تختلف الكمالات ، وتختلف أيضاً موجباتها ، فربما تكون الصفة الكذائيّة كمالا للشيء الكذائي ونقصاً لغيره ، نظير الحلاوة مثلا ، فإنّها كمال في السُكّر ونقص في الملح ، وكذا الحموضة مثلا حيث إنّها كمال في الخَلّ ونقص في البطّيخ ، وهكذا . وعليه ، فكلّ من أصحاب الدرجات في الجنان يكون كاملا في مقامه ، وينعّم عليه بكلّ ما يشتهيه بتمامه ، ولا ينقص منه شيء من مقتضيات كماله ، ولا يتمنّى شيئاً ممّا أنعم به على غيره ، وإنّ مجموعهم أصنافٌ ثلاثة : فمنهم من « زفّ » إلى الجنّة ، أي : أُهدي به « إليها » بسرعة ، كما تزفّ العروس المزيّنة إلى بعلها ومساكنها المزخرفة ، وهم « الصالحون الخُلّص » من دَنس المحرّمات الدينيّة والمنزّهون عن ارتكاب المناهي الشرعيّة . « و » منهم « الخابطون » الّذين : ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيّئاً ) ( 1 ) ولكنّهم يفوزون بها « بعد ما قد محّصوا » وبعد ما يصفوا بأهوال البرزخ وشدائد يوم القيامة ، وإذاقة شيء من نار جهنّم إن لم يصفوا في الدنيا بالبلايا والمصائب ، ولكن الجميع من الصنفين ليسوا إلاّ « مخلّدين » بها بعد دخولهم فيها ، وهم « في » أحسن حال ، ولهم « وجوهٌ ناضرةٌ » نيّرة كما قال تعالى : ( تعرف في وجوههم نضرة النعيم ) ( 2 ) ولهم أعين « لرحمة الله تعالى ناظرة » ممدودة . وبذلك فُسّر ( 3 ) قوله تعالى : ( إلى ربّها ناظرة ) ( 4 ) فإنّ ذاته المقدّسة تجلّ من
هامش
( 1 ) التوبة : 102 . ( 2 ) المطفّفين : 24 . ( 3 ) انظر مجمع البيان 5 : 398 ، تفسير الصافي 5 : 256 . ( 4 ) القيامة : 23 .