زفّ إليها الصالحون الخُلّصُ * والخابطون بعد ما قد محّصوا
مخلّدين في وجوه ناضرة * لرحمة الله تعالى ناظرة
شرح
ولا شبهة في كون الموجودات مختلفة في القوى المودعة فيها ، وإنّ كمال كلّ
منها إنّما هو بحصول الفعليّة لما هو مختمر في طينته الأصليّة من القوّة والقابليّة
الذاتيّة ، فلا جرم يكون كمال كلّ شيء بحسبه ، وبذلك تختلف الكمالات ، وتختلف
أيضاً موجباتها ، فربما تكون الصفة الكذائيّة كمالا للشيء الكذائي ونقصاً لغيره ،
نظير الحلاوة مثلا ، فإنّها كمال في السُكّر ونقص في الملح ، وكذا الحموضة مثلا
حيث إنّها كمال في الخَلّ ونقص في البطّيخ ، وهكذا .
وعليه ، فكلّ من أصحاب الدرجات في الجنان يكون كاملا في مقامه ، وينعّم
عليه بكلّ ما يشتهيه بتمامه ، ولا ينقص منه شيء من مقتضيات كماله ، ولا يتمنّى
شيئاً ممّا أنعم به على غيره ، وإنّ مجموعهم أصنافٌ ثلاثة :
فمنهم من « زفّ » إلى الجنّة ، أي : أُهدي به « إليها » بسرعة ، كما تزفّ العروس
المزيّنة إلى بعلها ومساكنها المزخرفة ، وهم « الصالحون الخُلّص » من دَنس
المحرّمات الدينيّة والمنزّهون عن ارتكاب المناهي الشرعيّة .
« و » منهم « الخابطون » الّذين : ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيّئاً ) ( 1 ) ولكنّهم
يفوزون بها « بعد ما قد محّصوا » وبعد ما يصفوا بأهوال البرزخ وشدائد يوم
القيامة ، وإذاقة شيء من نار جهنّم إن لم يصفوا في الدنيا بالبلايا والمصائب ، ولكن
الجميع من الصنفين ليسوا إلاّ « مخلّدين » بها بعد دخولهم فيها ، وهم « في » أحسن
حال ، ولهم « وجوهٌ ناضرةٌ » نيّرة كما قال تعالى : ( تعرف في وجوههم نضرة
النعيم ) ( 2 ) ولهم أعين « لرحمة الله تعالى ناظرة » ممدودة .
وبذلك فُسّر ( 3 ) قوله تعالى : ( إلى ربّها ناظرة ) ( 4 ) فإنّ ذاته المقدّسة تجلّ من
هامش
( 1 ) التوبة : 102 .
( 2 ) المطفّفين : 24 .
( 3 ) انظر مجمع البيان 5 : 398 ، تفسير الصافي 5 : 256 .
( 4 ) القيامة : 23 .