كلٌّ بعينه مقامه حلا * وليس يبتغي سواه بدلا
شرح
وهكذا حال جميع سكنتها وإن كانوا مختلفين في الدرجات علوّاً وزينةً وسعةً
وخدماً وحشماً وعزّاً ورفعةً ، ولكن « كلّ » منهم قد حَسُن « بعينه مقامه » و « حلا »
في نفسه مسكنه وما هو فيه من النِعَم العظيمة ، بحيث لا يتمنّى غيره « وليس يبتغي
سواه بدلا » كما قال تعالى : ( لا يبغون عنها حولا ) ( 1 ) .
فإنّه بعد وضوح اختلافهم في الاستعدادات الذاتيّة ، ومشتهياتهم النفسيّة رغبةً
وزُهداً وذكاءً وغباوةً وانتباهاً وغفلةً على سبيل اختلافهم فيها في النشأة الدنيويّة
إنّما ينعّم على كلٍّ منهم بما يليق به ، على طبق استعداده بأتمّ وجه وأكمل فرد ،
فيرى كلّ منهم نفسه في غاية الكمال من المواهب المرغوبة فيه ، فلا يرغب بل
ولا ينتبه ولا يتفكّر فيما هو أرقى وأكمل من مواهب الله تعالى لمن هو فوقه ، وذلك
لقصور استعداده الذاتي ، وعدم لياقته الأصلي لأكثر ممّا وهب له .
ونظير ذلك ما كان له في العيش الدنيوي ، فإنّه في حال طفوليّته لم يكن يرى
لنفسه كمالا إلاّ باللعب وآلاته ، ولم ير شيئاً ألذّ منه ، وبعد رُقيّه إلى الصبا ونموّ
استعداده إلى مرتبة من الكمال تنقلب رغبته عن ذلك إلى الرغبة في التزيّن - مثلا -
بالملابس والجمال ، ويرى ذلك أكمل كمال ، ولا تميل نفسه ولا يتفكّر في التزيّن
بمحامد الخصال ، ولا فيما يتمنّاه الرجال ، من لذائذ النساء وجمع الأموال والجاه
والرئاسة والعزّ في الأنظار .
وهكذا كلّما تبدّل من حال إلى حال وازدادت لياقته واستعداده تبدّلت رغبته ،
فإذا حصلت له مشتهياته على حسب استعداده ورغبته رأى نفسه في غاية
الكمال ، ولا يتمنّى ما فوقه ، ولا يتحسّر على الحرمان منه ، وبذلك يكون كاملا في
درجته ، لم يشذّ منه شيء ممّا يليق به ، فإنّ الكمال وصفٌ إضافي يتبع موصوفه ،
وليس متبوعاً ولا شيئاً شخصيّاً تنسب إليه الأشياء أو الأفراد .
هامش
( 1 ) الكهف : 108 .