شرح
وقال الآخرون منهم بالموازنة ، بمعنى أنّه يوازن بينهما ، فيسقط من الزائد ما
قابل الناقص منهما ويبقى الباقي .
والقولان للوعيديّة من المعتزلة ، الّذين لا يجوّزون العفو عن الكبيرة ( 1 )
والأوّل منهما لأبي عليّ وأتباعه ( 2 ) والثاني منهما لأبي هاشم وأذنابه ( 3 ) وقد
أبطلهما المحقّقون من المتكلّمين ( 4 ) وذهبوا إلى فساد المذهبين ، وبطلان الإحباط
والتكفير أصلا ورأساً . وهو الحقّ الصحيح ، فإنّه لا شبهة في أنّ المعصية تُوجب
استحقاق العقاب بحكم العقل ، بل وكذا الطاعة توجب استحقاق الثواب ، ولكن
بحكم الشرع ووعده الوفيّ بذلك ، لا بحكم العقل ، حيث إنّه لا يحكم بثبوت حقٍّ أو
أجر وأُجرة للعبد المملوك ، ولا استحقاق مثوبة له بطاعته لسيّده ، بعد وضوح كون
ذلك من وظائفه الواجبة عليه على ما تقدّم بيانه .
وحينئذ فبعد ثبوت الاستحقاق بمعنى الأهليّة واللياقة لكلّ منهما بعمله ، سواء
كان ذلك بحكم العقل أو بحكم الشرع بمقتضى وعده بالتفضّل والعفو ، وبعد وضوح
استحالة انقلاب الشيء عمّا هو عليه عقلا على ما حُقّق في محلّه ، وثبوت سببيّة
الطاعة لاستحقاق المثوبة ، وسببيّة العصيان لاستحقاق العقوبة ، ومؤثريّة كلّ منهما
في تحقّق أثره يثبت استحالة زوال السببيّة عن كلّ منهما ، وبطلان سقوط المؤثريّة
عنهما ، ويتفرّع على ذلك بقاء الاستحقاق على العمل السابق ، وبطلان الإحباط
والتكفير الحقيقيّين .
وعليه ، فلابدّ من تأويل ما ورد منهما في الكتاب والسنّة بما لا ينافي حكم
العقل بسببيّتهما لاستحقاق المثوبة والعقوبة ، وذلك بحمل التكفير المأثور على ما
يساوقه ، وهو إرادة ما يشاركه في النتيجة منه ، وهو العفو عن سيّئاته السابقة بما
هامش
( 1 ) راجع ص 270 .
( 2 و 3 ) حكاه عنهم في كشف المراد : 413 وشرح المقاصد 5 : 141 وشرح المواقف 8 : 310
ومجمع البحرين 4 : 241 ( حبط ) .
( 4 ) كما في كشف المراد : 413 وأنوار الملكوت : 172 .