شرح
وبذلك كلّه اتّضح لك أيضاً أنّ القاصر من الثلاثة المذكورة - وهم البلهاء
والمجانين والصغار والمستضعفين منهم ، الّذين لم يميّزوا الحقّ من الباطل لعدم
الإدراك وقلّة الشعور ، أو لعدم القدرة على الهجرة إلى بلاد الإسلام ، وعدم التمكّن
من تعلّم الأحكام - ليسوا بمخلّدين في العذاب ، بل ويُرجى لهم العفو والثواب ،
حيث إنّه تعالى استثناهم من الكفّار ومن استحقاق ما أعدّ لهم من العقاب بقوله
سبحانه : ( إلاّ المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة
ولا يهتدون سبيلا * فأُولئك عسى الله أن يعفو عنهم ) ( 1 ) .
وقد مرّ أنّ كلمة ( عسى ) منه تعالى محقّق الوقوع .
ثمّ إذ قد عرفت معنى الإيمان وحقيقته ، وعلمت أنّ العمل بالأركان إنّما هو
من آثاره الخارجي ، وغير داخل في ماهيّته وواقعه وإن ورد في بعض الأحاديث
المأثورة أنّه كقَسِيمَيه ، وهما الاعتقاد بالجنان ، والإقرار باللسان ( 2 ) وأنّ كلّ ذلك
داخل في أجزائه ، ومقوّم لحقيقته ، ولكنّه كما ذكرنا محمول على إرادة الكمال منه .
فاعلم أنّ هناك أقوالا أُخر :
منها : ما نسب إلى الشيخ المفيد ( قدس سره ) وجملة من علماء الجمهور ، من دخول العمل
أيضاً في ماهيّته ، وكونه دخيلا في تحقّقه ( 3 ) ولعلّهم استندوا في ذلك إلى ما أشرنا
إليه ، من ظواهر بعض الأحاديث الدالّة على اشتراطه فيه والنافية إيمان المرتكب
لبعض الكبائر ( 4 ) فضلا عن تارك الفرائض بعضاً أو كلاّ ، وكذا ظاهر قوله تعالى :
( وما كان الله ليضيع إيمانكم ) حيث إنّه فسّر الإيمان فيه بالصلاة والعمل خارجاً .
هامش
( 1 ) النساء : 98 - 99 .
( 2 ) انظر دعائم الإسلام 1 : 13 ، مسند الإمام الرضا ( عليه السلام ) ( عطاردي ) 1 : 263 / 25 نقلا عن
أخبار إصبهان ، سنن ابن ماجة 1 : 25 / 64 .
( 3 ) نسبه في مناهج اليقين : 367 إلى المفيد ( قدس سره ) وجماعة السلف .
( 4 ) انظر المحاسن 1 : 257 / 300 ، الكافي 2 : 106 / 5 ، مستدرك الوسائل 11 : 201 أبواب
جهاد النفس باب 7 ح 17 .