تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 307

مساهمون:

ص٣٠٧
ومن على تكذيبه بنى وقد * بان له الحقّ فللحقّ جَحَد
شرح
قائل : ( والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون ) ( 1 ) . وقد انقدح بكلّ ما ذكر أنّ أصناف المخلّدين في النار ثلاثة : الكافر ، والمنافق ، والشاكّ . ولكن لا يذهب عليك أنّ كلّ ذلك إنّما يكون مع تقصيرهم في طلب الحقّ ومعرفته ، ومع تمكّنهم من ذلك ، وإعراضهم عنه ، وذلك لوضوح تماميّة الحجّة منه تعالى على عباده كافّة ، بموهبته لهم العقل والقدرة في تحصيل الصحيح عن السقيم ، وتميّز الحقّ عن الباطل ، ثمّ إرساله تعالى لهم الرسل ، وإنزاله عليهم الكتب ، ونشره الدعوة بينهم وإسماعه ذلك لهم ، فلم يبق لأحد منهم حجّة عليه ، ولا عذر في إعراضهم عنه وعن أحكامه وآياته ، كما قال جلّ وعلا : ( فللّه الحجّة البالغة ) ( 2 ) ( لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل ) ( 3 ) ( وإن يستعتبوا فما هم من المعتبين ) ( 4 ) أي : وإن يعتذروا فما هم بمعذورين يوم القيامة ، فلا تسمع لهم يومئذ دعوة ، ولا تُقبل منهم حجّة وإن اعتذروا عن كفرهم ونفاقهم وشكّهم في الدين بالجهل به وعدم وضوحه لديهم ، وذلك لما عرفت ، من كون عدم معرفتهم مسبّباً عن تقصيرهم لا عن خفاء الحقّ . « و » بذلك يتّضح لك أنّ « مَن » كذّب بالشرع والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصرّ « على تكذيبه » و « بنى » بنيانه على شفا جرف هار بعد ما اتّضح له ذلك « وقد » ظهر و « بان له الحقّ » واستيقنته نفسه « فللحقّ » الثابت لديه « جَحَد » وأنكر ظلماً وعدواناً وحسداً وبغياً ، فهو كافر بلا ريب ولا شبهة كفر الجحود ، وهو ظالم عنود ، ولربّه كنود ، بل إنّه أظلم وأكفر من أقرانه الثلاثة المذكورين ، كما قال تعالى في مثله : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً ) ( 5 ) .
هامش
( 1 ) المنافقون : 1 . ( 2 ) الأنعام : 149 . ( 3 ) النساء : 165 . ( 4 ) فصّلت : 24 . ( 5 ) النمل : 14 .