ومن على تكذيبه بنى وقد * بان له الحقّ فللحقّ جَحَد
شرح
قائل : ( والله يشهد إنّ المنافقين لكاذبون ) ( 1 ) .
وقد انقدح بكلّ ما ذكر أنّ أصناف المخلّدين في النار ثلاثة : الكافر ، والمنافق ،
والشاكّ . ولكن لا يذهب عليك أنّ كلّ ذلك إنّما يكون مع تقصيرهم في طلب الحقّ
ومعرفته ، ومع تمكّنهم من ذلك ، وإعراضهم عنه ، وذلك لوضوح تماميّة الحجّة منه
تعالى على عباده كافّة ، بموهبته لهم العقل والقدرة في تحصيل الصحيح عن
السقيم ، وتميّز الحقّ عن الباطل ، ثمّ إرساله تعالى لهم الرسل ، وإنزاله عليهم الكتب ،
ونشره الدعوة بينهم وإسماعه ذلك لهم ، فلم يبق لأحد منهم حجّة عليه ، ولا عذر
في إعراضهم عنه وعن أحكامه وآياته ، كما قال جلّ وعلا : ( فللّه الحجّة
البالغة ) ( 2 ) ( لئلاّ يكون للناس على الله حجّة بعد الرسل ) ( 3 ) ( وإن يستعتبوا فما
هم من المعتبين ) ( 4 ) أي : وإن يعتذروا فما هم بمعذورين يوم القيامة ، فلا تسمع لهم
يومئذ دعوة ، ولا تُقبل منهم حجّة وإن اعتذروا عن كفرهم ونفاقهم وشكّهم في
الدين بالجهل به وعدم وضوحه لديهم ، وذلك لما عرفت ، من كون عدم معرفتهم
مسبّباً عن تقصيرهم لا عن خفاء الحقّ .
« و » بذلك يتّضح لك أنّ « مَن » كذّب بالشرع والنبيّ ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وأصرّ « على
تكذيبه » و « بنى » بنيانه على شفا جرف هار بعد ما اتّضح له ذلك « وقد » ظهر
و « بان له الحقّ » واستيقنته نفسه « فللحقّ » الثابت لديه « جَحَد » وأنكر ظلماً
وعدواناً وحسداً وبغياً ، فهو كافر بلا ريب ولا شبهة كفر الجحود ، وهو ظالم عنود ،
ولربّه كنود ، بل إنّه أظلم وأكفر من أقرانه الثلاثة المذكورين ، كما قال تعالى في
مثله : ( وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلماً وعلوّاً ) ( 5 ) .
هامش
( 1 ) المنافقون : 1 .
( 2 ) الأنعام : 149 .
( 3 ) النساء : 165 .
( 4 ) فصّلت : 24 .
( 5 ) النمل : 14 .