وكان من شكّ ولكن التزم * مرتّباً آثاره محقون دم
شرح
وقد تبيّن من ذلك أنّ ترك العمل خارجاً بالفروع الشرعيّة والفروض الدينيّة
- كالصلاة ، والصوم ، وأمثالهما ، على ما هي عليه من العظمة والشأن مع عدم الجحود -
لا يوجب الخلود في العذاب وإن أوجب التعذيب مدّة متمادية ، ولكنّها منقطعة مع
الاعتقاد والإقرار المذكورين ، وهكذا ارتكاب سائر الفواحش والمعاصي .
واتّضح أنّ الخلود الدائمي مختصٌّ بالفريقين الآخرين ، وهما : الكافر ،
والمنافق ، هذا .
« و » أمّا من « كان » متوسّطاً بين المؤمن المعتقد المعترف ، وبين قَسِيمَيه
الكافر والمنافق ، وهو « من شكّ » في الدين بضميره ، غير جازم به ، ولا جاحد له
« ولكن التزم » بلوازم الإيمان في العمل « مرتّباً آثاره » من الإقرار باللسان مع
إخفائه شكّ باطنه ، فهو لا شكّ أنّه في الدنيا « محقون دم » وعرض ومال ، كسائر
المسلمين الظاهريّة والواقعيّة ، ولكنّه بالنسبة إلى أمر آخرته ، فالظاهر إمكان
دعوى أبديّة عذابه وخلوده في النار مع الكفّار ، وذلك لما عرفت ، من كون
الاعتقاد الجزمي ركناً في الإيمان ، وأنّه بانتفائه ينتفي الإيمان .
وربما يستدلّ على ذلك بقوله تعالى : ( قالت الأعراب آمنّا قل لم تؤمنوا ) ( 1 ) .
فإنّه بظاهره يعمّ الجاحد والشاكّ ، ويفيد انتفاء الإيمان عن كلا الفريقين مع
دعواهم ذلك وإقرارهم به باللسان ، حيث إنّه تعالى علم خلوّ ضمائرهم عنه .
وبذلك يتّضح كون حقيقة الإيمان هو الاعتقاد القلبي الجزمي به ، ولا سيّما بعد
تأكيد ذلك بعده بقوله تعالى : ( ولمّا يدخل الإيمان في قلوبكم ) ( 2 ) .
وكذا قوله جلّ وعلا : ( إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنّك لرسول الله ) ( 3 ) .
فتراه سبحانه كيف كذّبهم في دعواهم ذلك وإقرارهم به صريحاً ، فقال عزّ من
هامش
( 1 و 2 ) الحجرات : 14 .
( 3 ) المنافقون : 1 .