وهي الرجوع نادماً للمولى * من كَبوة منهم بترك الأولى
شرح
بعمل المرائي ، وحاشاهم عن كلّ ذلك . بل كانت توبتهم « وهي الرجوع » منهم
« نادماً للمولى » المتعال « من كَبوة » كانت تصدر أحياناً « منهم ، بترك » ما كان فعله
« الأولى » أو بارتكاب ما هو أقلّ من ذلك ، كفعل مباح لا رجحان فيه ، أو خطرة
قلبيّة ورغبة نفسانيّة الّتي هي من لوازم الطبيعة البشريّة ، ومقتضيات نظام التكوين
والقُوى العنصريّة .
فإنّهم ( عليهم السلام ) باعتبار كثرة معرفتهم بعِظَم الربّ تعالى وحقارتهم بالقياس إليه
يرون كلّ تلك الأُمور من أنفسهم معصيةً كبيرةً موجبةً للتوبة الحقيقيّة ، فإنّ العبد
كلّما ازداد معرفةً بعلوّ شأن مولاه ازداد خشيةً منه وخضوعاً له ، وعندئذ يرى أدنى
عثرة من نفسه كبيرةً عظيمةً ، ولا شكّ أنّ : الجواد قد يكبو ، وتحصل منه العثرة ولو
كانت طفيفة في الغاية بما هي هي ، ولكنّها بالقياس إلى من صدرت منه ، وهو في
غاية العلم والمعرفة ، لكبيرةٌ قبيحة ، وهي من مثله معصيةٌ بليغةٌ .
وهذا هو المراد من قوله تعالى : ( وعصى آدم ربّه فغوى ) ( 1 ) وأمثاله من
الآيات الّتي نسبت فيها المعصية إلى أُولئك الأبرار الكرام ، والأنبياء العظام ( عليهم السلام )
على ما ورد في تفاسير أهل البيت ( عليهم السلام ) ( 2 ) .
بل يمكن أن يقال : إنّ من هو أرفع شأناً وأعظم جاهاً عند الربّ تعالى من
أُولئك الأبرار ، وهم المقرّبون المخلصون - بالفتح - من عباده - كالنبيّ الأعظم
الخاتم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وخلفائه المعصومين ( عليهم السلام ) باعتبار نزاهتهم الكاملة حتّى عن تلك
الخطرات القلبيّة فضلا عن ارتكاب المباحات الفعليّة - لم يكن استغفارهم
وسؤالهم العفو من سيّدهم إلاّ عن أمر هو أدقّ من كلّ ذلك ، وهو انتباههم لقصورهم
الذاتي وعجزهم الإمكاني عن أداء حقّ المولى الواجب بما يستحقّ ويستوجب ،
هامش
( 1 ) طه : 121 .
( 2 ) انظر تفسير التبيان 7 : 218 وتفسير مجمع البيان 4 : 34 .