وإن يتب عن بعض ما قد ارتكب * كان كمَن أتى ببعض ما وجب
شرح
إنّما كان لغاية أُخرى ، فليس ذلك منه توبة شرعيّة ، ولا هي مقبولة ، وذلك معنى
عدم جواز تبعيضها .
ولكن الحقّ المنصور وفاقاً للمشهور حتّى لدى المشايخ الأُخر من المعتزلة
- كأبي عليّ وأتباعه ( 1 ) - هو الأوّل ، كما اختاره السيّد العلاّمة بقوله ( قدس سره ) : « وإن يتُب
عن بعض ما قد ارتكب » من المعاصي دون بعض آخر منها صحّت توبته عنه ،
و « كان كمن أتى ببعض ما وجب » عليه من الفرائض . فإنّه لا شبهة في أنّه لو تاب مَن
عليه أنواع الفرائض من الصلاة والصوم والحجّ وأمثالها وأتى ببعضها أداءً أو قضاءً
ولم يقض الآخر منها سقط عنه ما قضاه ، وبقي الباقي عليه ، فلو أتى بقضاء
الصلوات الفائتة مثلا صحّ ما أتى به قطعاً وإن لم يندم عن تفويت الصيام ، ولم يتب
عن ذلك ، ولم يقض ما فاته منه ، ولا خلاف في قبول توبته وتحقّق ندامته عمّا أتى
به ، ولا يُظنّ إنكار الخصم لذلك .
وإنّ ما تشبّث به للعدم ، من سببيّة مطلق القُبح للندم ، لا موقع له بعد وضوح
اختلاف مراتب القبح ، وجواز علم العاصي بذلك ، فإنّه بعد معلوميّة أنّ الزنا
بالأجنبيّة - مثلا - أعظم وزراً وأشدّ قبحاً من قُبلتها أو من النظر إليها ، فهو بعلمه
بذلك ربما يتجنّب عن الأوّل تائباً ويتركه نادماً عمّا فعله ، دون الثانيين ، حيث
لا يراهما بتلك العظمة في الوزر ، ولا بتلك الشدّة من القبح .
وعليه ، فربما يكون السبب لندامة المرتكب وتوبته هو عظمة الوزر عنده ، وشدّة
قبحه في نظره ، لا أصل ذلك المشترك بين جميعها . وبذلك يتّضح جواز التفكيك
بين أصناف الندامة والتوبة باعتبار اختلاف أنواع المعصية ولو في نفس مرتكبها ،
كما يظهر لك فساد دعوى التلازم بين جميعها ، وينقدح إمكان التبعيض بينها .
هامش
( 1 ) حكاه عنه في مناهج اليقين : 362 ، وانظر شرح المقاصد ( التفتازاني ) 5 : 169 .