وما على المغتاب ذكر ما جرى * مفصّلا فقد يجرّ كدرا
شرح
ظلم الاغتياب ونظائره ، فإنّه إن لم يبلغه ذلك كان الاعتذار منه موجباً لعلمه به ،
وربما يوجب ذلك فيه الكدر والإيذاء ، وذلك معصيةٌ أُخرى تضاف إلى معصية
الاغتياب ، فضلا عن كونه جبراً لخواطره ، أو تداركاً للمعصية الأُولى .
« و » لذلك اتّفق ظاهراً أُولو العلم والبصيرة على أنّه لا يكون إعلام الجاهل
بذكر السوء كفّارةً عن اغتيابه ولا تداركاً لما احتمله فاعل السوء من وِزْرِهِ وآثامه ،
وليس ذلك توبةً عن معصيته .
وقد تصافق الكلّ ( 1 ) على أنّه « ما على المغتاب » الفاعلي « ذِكرُ ما جرى » منه
على المغتاب المفعولي « مفصّلا » بحكايته الاغتياب أو الاستهزاء أو أمثالهما
الواقعة منه « فقد يجرّ » ذلك « كدراً » في نفس المغتاب المظلوم ، وربما تكون
العاقبة غير محمودة ، مضافاً إلى استلزامه الإيذاء المحرّم ، وحينئذ فالتدارك عن
مثل ذلك وكفّارته لا يكون إلاّ بالدعاء والاستغفار له بظهر الغيب ، أو بالصدقات
والأعمال الخيريّة المندوبة ، وإهداء ثوابها إليه حيّاً كان أو ميّتاً من غير إعلامه
بشيء منها .
ثمّ لا شبهة في حرمة الاغتياب ، بل كونه من الكبائر العظام من المعاصي ،
بمقتضى الأدلّة الثلاثة ، بل الأربعة كلّها ، ويكفي في ذلك النهي الصريح منه تعالى
عنه مقروناً بتمثيله بأكل الجيفة المنتنة بقوله تعالى : ( ولا يغتب بعضكم بعضاً أيحبّ
أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه ) ( 2 ) .
ثمّ تعقيب ذلك بالأمر المؤكّد بالتقوى والحذر منه بقوله سبحانه : ( واتّقوا الله ) .
مضافاً إلى حكم العقل بقُبحه ؛ لاستلزامه في الغالب التنافر والتباعد المذموم ،
هامش
( 1 ) انظر تفصيل الكلام في كتاب المكاسب ( للشيخ الأنصاري ) تراث الشيخ الأعظم 14 : 336 .
( 2 ) الحجرات : 12 .