شرح
استخفافٌ به ، وذلك أيضاً معصيةٌ أُخرى توجب اشتداد العذاب .
وعليه ، فلا يجوز تأخير التوبة فضلا عن تركها ، « فإنّها تجبّ الحوبة » أي :
تقطع السيّئة الموبقة ، وتمحو المعصية المهلكة ، ولا خلاف في شيء من ذلك بعد
نصوص الكتاب المتكرّرة بقوله تعالى : ( توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) ( 1 ) ( وتوبوا
إلى الله جميعاً أيّها المؤمنون ) ( 2 ) ونظائرهما الكثيرة ، فضلا عن متواترات السنّة
لدى الفريقين الدالّة على وجوبها وفوريّتها ، وكون الاستخفاف بها من أشدّ الذنوب
وأنّها لا تُغفر ، فراجع كُتب الأحاديث والتفاسير ( 3 ) .
إنّما الكلام في أنّها هل تجب عن جميع الذنوب كلّها صغائرها وكبائرها - كما
عليه جمهور المسلمين وهو الحقّ الصحيح بمقتضى إطلاق الأدلّة المشار إليها - أو
أنّه يختصّ الوجوب بالتوبة عن الكبائر فقط ؟ وأمّا الصغائر من الذنوب فلا تجبّ
التوبة عنها كما ذهب إليه شرذمة من المعتزلة ( 4 ) بمقتضى وعده تعالى صريحاً بالعفو
عنها مع الاجتناب عن الكبائر بقوله تعالى : ( إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفّر
عنكم سيّئاتكم ) ( 5 ) .
وقوله تعالى في مدح الصلحاء : ( الّذين يجتنبون كبائر الإثم والفواحش إلاّ
اللمم ) ( 6 ) وهو الصغائر .
والظاهر كون النزاع في ذلك لفظيّاً ، وذلك لما ثبت في السنّة المأثورة عن
المعصومين من قولهم ( عليهم السلام ) : " لا صغيرة مع الإصرار ، ولا كبيرة مع الاستغفار " ( 7 ) .
فإنّ المستغفر القائم بوظيفة التوبة بمقتضى ذلك لا يبقى عليه شيء من الذنوب
لا صغيرة ولا كبيرة كما ورد عنهم ( عليهم السلام ) أيضاً : " إنّ التائب من الذنب كمن لا ذنب له " ( 8 ) .
هامش
( 1 ) التحريم : 8 .
( 2 ) النور : 31 .
( 3 ) انظر الكافي ( للكليني ) 2 : 430 باب التوبة ، بحار الأنوار 6 : 30 .
( 4 ) حكاه عن أبي هاشم في أنوار الملكوت : 177 .
( 5 ) النساء : 31 .
( 6 ) النجم : 32 .
( 7 ) الكافي 2 : 288 / 1 ، الوسائل 15 : 338 أبواب جهاد النفس باب 48 ح 3 ، كشف الخفاء 2 :
364 / 3071 .
( 8 ) تقدّم تخريج مصادره في ص 288 . فراجع .