شرح
المخصوصة منه المختلفة باختلاف المشفّع لهم .
وحينئذ فدعوى حرمان الجاني من شفاعته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) معناها إنكار لُطفه العامّ ،
وفي ذلك تكذيب للأدلّة القويّة المشار إليها كتاباً وسنّةً وإجماعاً .
ثمّ لا يذهب عليك أنّ الشفاعة معناها السؤال بنحو الخضوع والطلب متذلّلا
للمسؤول منه أن يعطف على المشفّع له ، ولا يفرّق في ذلك بين أن يكون قريناً
للشافع في الوجاهة لدى المسؤول منه ، أو دونه في ذلك ، أو يكون أوجه منه .
وحينئذ فلا يتوهّم لغويّة تحيّة الأُمّة الإسلاميّة لنبيّهم الأعظم ( صلى الله عليه وآله وسلم ) بالصلاة
عليه والدعاء وطلب الرحمة له من ربّه تعالى بارتفاع مقامه وعلوّ درجته ، مع
كونه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) أوجه لديه تعالى من جميعهم ، ونظير ذلك شفاعة التلامذة الصغار لدى
المدير العامّ حين فحصه عن دروسهم ، فتراهم يتوسّلون به لإبقاء معلّمهم ، بل
لإكرامه له بشيء من الهدايا . وغير خفيّ ما في ذلك من وجوه الحُسن ، فإنّ ذلك
كاشفٌ عن حسن تربيتهم بتقدير نعمة العلم ، ورغبتهم في تحصيله . ثمّ إنّه تقديم
شكر للمدير على حُسن انتخابه لمعلّمهم . ثمّ تقديم الشكر للمعلّم أيضاً على حُسن
تربيته لهم . ولذلك ترى في الغالب ظهور أثر السرور في المدير والمعلّم كليهما
بتلك الشفاعة . هذا ، مع كون المعلّم المشفّع له أوجه لدى المدير ، وأعزّ عليه غالباً
من كلّ أُولئك الشُفعاء الصغار بالضرورة . فتأمّل جيّداً .
ثمّ إنّه بعد ما عرفت فساد دعوى الخصم في إنكاره الشفاعة العامّة : اعلم أنّه
لم يتشبّث في ذلك إلاّ بظواهر آيات لا تنافي المطلوب ، كقوله تعالى : ( ما
للظالمين من حميم ولا شفيع يطاع ) ( 1 ) ( فما تنفعهم شفاعة الشافعين ) ( 2 )
( ولا تنفعها شفاعة ) ( 3 ) ( وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئاً إلاّ من
بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى ) ( 4 ) ( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى ) ( 5 ) .
هامش
( 1 ) غافر : 18 .
( 2 ) المدّثّر : 48 .
( 3 ) البقرة : 123 .
( 4 ) النجم : 26 .
( 5 ) الأنبياء : 28 .