شرح
وقال سبحانه مخاطباً له : ( وما أرسلناك إلاّ رحمةً للعالمين ) ( 1 ) .
ولا شبهة أنّ الآيتين باعتبار ما فيهما من الجمع المحلّى باللام تفيدان شمول
رأفته ورحمته لكافّة العالمين جمعاء ، على سبيل عموم الرأفة من ربّه تعالى بهم
أجمع ، كما قال جلّ وعلا : ( وإنّ الله بكم لرؤوف رحيم ) ( 2 ) في آيات عديدة .
وقوله عزّ من قائل : ( الله لطيف بعباده ) ( 3 ) .
ولا شكّ في إرادة العموم في جميعها .
وقد ورد في السنّة المستفيضة عنه قوله ( صلى الله عليه وآله وسلم ) : " قد ادّخرت شفاعتي لأهل
الكبائر من أُمّتي " ( 4 ) .
وما هو بمضمونه في صحف الفريقين ( 5 ) ولكنّه حسب اختلاف الخلائق من
حيث السعادة والشقاوة ومراتبهما المختلفة كثرةً وقلّةً يأخذ كلّ من المؤمنين من
أُمّته أو سائر الأُمم أيضاً نصيبه الأوفى من شفاعته : إمّا بخلاصه من النار . وإمّا
بتنقيص مدّة إقامته فيها . وإمّا بتقليل صنوف العذاب المعدّة له فيها إن كانوا من
الأشقياء المستوجبين النار . وإمّا برفع درجاتهم وارتقاء مراتبهم إن كانوا من
السُعداء وأصحاب الجنان .
« و » بهذا الاعتبار يقال : إنّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على عموم رأفته ورحمته وشمول لطفه
وشفاعته لكافّة المؤمنين ، قد « خصّ لُطفه » بكلّ فرد و « كلّ أحد » منهم ، على حسب
قابليتهم واختلافاتهم في استعداداتهم وحسناتهم وسيّئاتهم ، فيختصّ كلّ منهم
بنحو خاصّ وكيفيّة مخصوصة من أنحاء لُطفه الكثيرة ، وكيفيّات رحمته العديدة .
وعليه ، فاللطف منه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) له إطلاقان : عامّ وخاصّ ، والمراد من الأوّل منهما :
هو الشفقة المطلقة العامّة ذات الأنحاء والكيفيّة ، والمراد من الثاني : هو الكيفيّة
هامش
( 1 ) الأنبياء : 107 .
( 2 ) الحديد : 9 . الشورى : 19 .
( 4 ) انظر تفسير التبيان 1 : 214 ، مجمع البيان 1 : 104 ، بحار الأنوار 8 : 30 ، مجمع الزوائد 10 :
378 ، المعجم الأوسط ( الطبراني ) 6 : 106 .
( 5 ) انظر تفسير القرطبي 5 : 161 ، بحار الأنوار 8 : 62 .