شرح
وفيها أيضاً عرفان الناس بعدم استغنائهم عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) وعن شفاعته يوم
القيامة ، كما أنّهم لم يستغنوا عنه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) في الدنيا ؛ لمكان حاجتهم إلى دعائه
وبركات وجوده في حياتهم ، وإلى شريعته وأحكامه في نظام مدنيّتهم ، وفي كلّ
ذلك تحريضٌ على الطاعة له ، والتقرّب إليه .
وهكذا الحكمة في جعل الشفاعة لمن بعده ، ومن هو دونه من خلفائه
الطاهرين ، وسائر الأنبياء والمرسلين ( عليهم السلام ) ، والشهداء والصدّيقين ، والملائكة
المقرّبين ، والعلماء العاملين ، والسادة الميامين من ذراري آل طه وياسين ( صلى الله عليه وآله وسلم ) ،
وسائر الصلحاء من المؤمنين المتّقين ، بل ولكثير من الأزمنة والأمكنة المتبرّكة
المعدّة لطاعة العابدين ، كشهر الصيام والمساجد وأمثالهما ممّا ثبت له ذلك في
الدين ، واستفاضت به أحاديث الفريقين وإن كان كلّ أُولئك الأطهار ( عليهم السلام )
لا يتجرّأون لشيء من الشفاعة من غير إذن من ربّهم تعالى فهم : ( لا يسبقونه
بالقول وهم بأمره يعملون ) ( 1 ) ( ولا يشفعون إلاّ لمن ارتضى وهم من خشيته
مشفقون ) ( 2 ) ( من ذا الّذي يشفع عنده إلاّ بإذنه ) ( 3 ) .
ولا شبهة ، بل ولا خلاف بين أهل المعرفة في شيء من ذلك ، وإنّما الخلاف في
أنّ شفاعته ( صلى الله عليه وآله وسلم ) هل هي مختصّةٌ بالصلحاء من أهل الجنّة لرفع درجاتهم فيها ؟ أو
أنّها تعمّ الفسقة من المؤمنين من أهل النار لعتقهم منها ؟
فذهبت الخوارج والوعيديّة ( 4 ) من المعتزلة إلى الأوّل ، بدعوى أنّ الشفاعة
للفسقة الفجرة من المؤمنين مناف لصدق الوعيد فيهم ، على ما تقدّم بيانه في الركن
المتقدّم ، وقد عرفت فساد الدعوى ، واتّضح لك الجواب عنها .
فالحقّ الصحيح هو القول الثاني الّذي أجمع عليه الفرقة المحقّة الإماميّة ( قدس سرهم )
هامش
( 1 و 2 ) الأنبياء : 27 و 28 .
( 3 ) البقرة : 255 .
( 4 ) الوعيديّة : هم الّذين لا يجوّزون العفو عن الكبيرة . شرح المقاصد 5 : 151 ، مجمع البحرين
4 : 241 ( حبط ) ، وحكى قولهم في كشف المراد : 416 .