وما أتى بنفيها في الذكر * لابدّ من تخصيصه بالكُفر
شرح
المباركة وإنكار وجود المطاع : « لا يمنع » ولا ينافي وجود « المجاب » الّذي
يستجاب له الدعاء ، ويُعطى له سؤاله « من » ربّه تعالى بفضله و « عنايته » .
وأمّا الجواب عن آيات إنكار أصل الشفاعة مطلقاً « وما أتى بنفيها » وعدم
تأثيرها في خلاص بعض العُصاة كالآية الثانية والثالثة وأمثالهما ممّا ورد « في
الذكر » الحكيم ، فهو أنّه « لابدّ من تخصيصه بالكفر » بمعنى الكافر ، وهو الّذي
يموت على كفره مكذّباً بالمعاد يوم القيامة ، الّذي هو ركنٌ قويمٌ من أُصول الدين .
ويشهد للاختصاص المذكور : ما صرّح به قبل تلك الآية حكايةً عن أُولئك
المجرمين ، بقوله تعالى : ( وكنّا نكذّب بيوم الدين * حتّى أتانا اليقين * فما تنفعهم ) ( 1 ) .
هذا ، مع تعيّن التخصيص وإن لم يكن هناك شاهد ولا دليل عليه ؛ جمعاً بينها
وبين غيرها من الآيات والأدلّة ، أليس قد وعد الله تعالى المرتكبين للسيّئات
بالعفو عنهم مطلقاً من غير اشتراط ذلك بالتوبة ، مع سلامة إيمانهم عن الكفر
والارتداد بقوله سبحانه الّذين : ( خلطوا عملا صالحاً وآخر سيّئاً ) فأُولئك
( عسى الله أن يتوب عليهم ) ( 2 ) .
وقد تقدّم أنّ كلمة ( عسى ) منه تعالى يفيد الوقوع حتماً ، وأنّ مقتضى ذلك
تحتّم العفو عنهم ولو بعد تصفيتهم بمشاقّ الأُمور ، ومكاره الدهر ، وأهوال البرزخ ،
وتعذيبهم في جهنّم مدّةً متماديةً منقطعةً ، على ما ورد في المأثور المستفيض ، من
أنّ ذنوب الفَسَقَة من المؤمنين منها ما يُكفّر بالبلايا المعجّلة والمصائب الدنيويّة ،
كالفقر والمرض والذلّ وفقد الأعزّة وأمثالها . ومنها ما لا يكفّر بكلّ ذلك لعِظَمه ،
ولابدّ في تكفيره من تشديد سكرات الموت عليه ، أو بضغطة القبر وعذاب البرزخ ( 3 )
أو بما هو أعظم من كلّ ذلك كشدائد يوم القيامة ، ودخول جهنّم إلى أمد محدود .
هامش
( 1 ) المدّثر : 46 - 48 .
( 2 ) التوبة : 102 .
( 3 ) انظر علل الشرائع 1 : 298 / 2 .