ونفي من يُطاع في شفاعته * لا يمنع المجاب من عنايته
شرح
بدعوى أنّها تدلّ بصراحتها على نفي الشفيع للعصاة ، أو عدم تأثير الشفاعة
لهم . وحيث إنّه خرج منها التائب بأدلّة التوبة بقي الباقي تحت تلك العمومات .
هذا ، مضافاً إلى ما في بعضها - كما عرفت - من اشتراط الشفاعة بكون المشفّع
له مرضيّاً عند ربّه تعالى ، ولا شبهة أنّ غير التائب من المجرمين ليس كذلك ،
فلا تشمله الشفاعة ، أو أنّها لا تغنيه ولا تؤثّر له شيئاً أصلا . وأيضاً قد تبيّن ممّا تقدّم
أنّ التائب من الذنب ليس بظالم ، وقد ثبت في المأثور من السنّة أنّه كمن لا ذنب
له ( 1 ) و ( إنّ الله يحبّ التوّابين ) ( 2 ) و ( إنّه لا يحبّ الظالمين ) ( 3 ) .
وبذلك يُعلم أنّ الظالمين المذكورين في الآية السابقة ليس المراد منهم إلاّ من
لم يكن تائباً من ذنبه . وعليه ، فتلك ونظائرها من الآيات النافية للشفاعة في
الظالمين ليست عامّة تحتاج إلى مخصّص من أدلّة التوبة ونحوها ، بل إنّها بظهورها
بل صراحتها تختصّ بغير التائب .
والجواب : أمّا عن الآية الأُولى : فهو أنّ المنفيّ فيها - كما ترى - ليس إلاّ
الشفيع المطاع ، بمعنى الآمر المتعالي الّذي تجب إطاعته ، وأنّ ذلك أمرٌ لم يختلف
فيه اثنان ؛ لوضوح أنّ الربّ تعالى يجلّ عن أن يكون فوقه - والعياذ بالله - آمرٌ
واجب الإطاعة يحكم عليه بقبول الشفاعة ، ولكنّه غير المجاب في دعوته وسؤاله
كما هو واضح في عرف العرب ، فإنّ الأوّل منهما مأخوذ فيه التعالي والرفعة
بخلاف الثاني المأخوذ فيه التذلّل والخضوع كما أشرنا إليه ، وكم بينهما من فرق
واضح ومغائرة تامّة ؟
« و » بذلك يتّضح لك أنّ « نفي مَن يُطاع في شفاعته » على ما صرّح به في الآية
هامش
( 1 ) انظر الكافي 2 : 435 / 10 ، عيون أخبار الرضا ( عليه السلام ) 2 : 73 / 347 ، وسائل الشيعة 16 : 74 / 8
أبواب جهاد النفس باب 86 ، بحار الأنوار 90 : 281 ، سنن ابن ماجة 2 : 1419 / 4250 .
( 2 ) البقرة : 222 .
( 3 ) الشورى : 40 .