تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
فالله في عقوبة الفُجّار * عقلا وسمعاً كان بالخيار فإن يُعاقب فقضاء عدله * وإن عفا ، فهو اقتضاء فضله
شرح
وأيضاً أنّ عدم المغفرة للمشرك في الآية الشريفة مشروطٌ بعدم توبته ؛ ضرورةً وإجماعاً وكتاباً وسنّة ، والخصم معترفٌ بذلك قطعاً . فلا محيص حينئذ بمقتضى وحدة السياق بين الحكمين صدراً وذيلا فيها ، من كون المغفرة الموعود بها لغيره مخصوصاً أيضاً بغير التائب منهم على سبيل اختصاص عدم المغفرة بغير التائب من المشركين . وعليه ، فيكون مفاد الآية المباركة مفاد قوله سبحانه : ( وإنّ ربّك لذو مغفرة للناس على ظلمهم ) ( 1 ) . فإنّ كلمة ( على ) في ذلك لا يمكن إرادة الغرض منها ، ولا يجوز قطعاً كونها علّة للمغفرة على سبيل قول القائل : ضربتُ زيداً على عصيانه ، فإنّ ذلك فاسدٌ جزماً ، ولا يقول به الخصم أيضاً ، وإلاّ لزم منه نقض الغرض ، وهو قبيحٌ عقلا ونقلا وإجماعاً ، فلا محيص حينئذ من كونها بمعنى الحال ، أي : حال كونهم ظالمين . ومن الواضح أنّهم بعد التوبة ليسوا بظالمين ، فلابدّ من كون المغفرة الموعودة بها فيها مخصوصة بغير التائب منهم ، فبذلك أيضاً تصحّ دعوى ثبوت العفو عنه ، فضلا عن إمكانه . « فالله في عقوبة الفجّار » وأهل الكبائر من الموحّدين الأشرار مع سلامة إيمانهم وعدم حصول التوبة منهم « عقلا وسمعاً كان بالخيار » وله الحكم ، وإليه يرجع الأمر في الانتقام أو العفو . « فإن يُعاقب ، فقضاء عدله » وذلك مقتضى قسطه ووعيده من غير ظلم أصلا « وإن عفا » من غير التائب من المؤمنين « فهو اقتضاء فضله » وجوده وكرمه ، من غير وجوب شيء منهما عليه قطعاً ، بل ربما يقال : إنّ العفو عن غير التائب أعظم منّةً منه من التائب ، فتأمّل جيّداً ، ونحن نسأله من فضله العفو والمغفرة وحسن الختام بالتوبة المقبولة .
هامش
( 1 ) الرعد : 6 .