فالله في عقوبة الفُجّار * عقلا وسمعاً كان بالخيار
فإن يُعاقب فقضاء عدله * وإن عفا ، فهو اقتضاء فضله
شرح
وأيضاً أنّ عدم المغفرة للمشرك في الآية الشريفة مشروطٌ بعدم توبته ؛
ضرورةً وإجماعاً وكتاباً وسنّة ، والخصم معترفٌ بذلك قطعاً . فلا محيص حينئذ
بمقتضى وحدة السياق بين الحكمين صدراً وذيلا فيها ، من كون المغفرة الموعود
بها لغيره مخصوصاً أيضاً بغير التائب منهم على سبيل اختصاص عدم المغفرة بغير
التائب من المشركين .
وعليه ، فيكون مفاد الآية المباركة مفاد قوله سبحانه : ( وإنّ ربّك لذو مغفرة
للناس على ظلمهم ) ( 1 ) .
فإنّ كلمة ( على ) في ذلك لا يمكن إرادة الغرض منها ، ولا يجوز قطعاً كونها
علّة للمغفرة على سبيل قول القائل : ضربتُ زيداً على عصيانه ، فإنّ ذلك فاسدٌ
جزماً ، ولا يقول به الخصم أيضاً ، وإلاّ لزم منه نقض الغرض ، وهو قبيحٌ عقلا ونقلا
وإجماعاً ، فلا محيص حينئذ من كونها بمعنى الحال ، أي : حال كونهم ظالمين .
ومن الواضح أنّهم بعد التوبة ليسوا بظالمين ، فلابدّ من كون المغفرة الموعودة
بها فيها مخصوصة بغير التائب منهم ، فبذلك أيضاً تصحّ دعوى ثبوت العفو عنه ،
فضلا عن إمكانه . « فالله في عقوبة الفجّار » وأهل الكبائر من الموحّدين الأشرار مع
سلامة إيمانهم وعدم حصول التوبة منهم « عقلا وسمعاً كان بالخيار » وله الحكم ،
وإليه يرجع الأمر في الانتقام أو العفو .
« فإن يُعاقب ، فقضاء عدله » وذلك مقتضى قسطه ووعيده من غير ظلم أصلا
« وإن عفا » من غير التائب من المؤمنين « فهو اقتضاء فضله » وجوده وكرمه ، من
غير وجوب شيء منهما عليه قطعاً ، بل ربما يقال : إنّ العفو عن غير التائب أعظم
منّةً منه من التائب ، فتأمّل جيّداً ، ونحن نسأله من فضله العفو والمغفرة وحسن
الختام بالتوبة المقبولة .
هامش
( 1 ) الرعد : 6 .