ولا ينالُ العفو منه إلاّ * مَن حاز ما به يكون أهلا
شرح
الإخبار عن ترتّبه على المعصية ، فيكون ذلك تأييداً لحكم العقل كما عرفت .
ثمّ لا يذهب عليك : أنّ ما ذُكر من شمول العفو لغير التائب من المؤمنين
المجرمين ليس قطعيّاً كما أشرنا إليه ، بل ولا هو عامّ لجميعهم ، فإنّه بمقتضى قوله
تعالى : ( ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) ( 1 ) مختصّ بمن تتعلّق المشيئة القاهرة منه
تعالى بمغفرته والصفح عنه ، فله سبحانه في ذلك الإرادة الكاملة والخيرة التامّة
( يغفر لمن يشاء ) ( 2 ) بكرمه وجوده ، ( ويعذّب من يشاء ) ( 3 ) بعدله وقسطه .
« و » عليه ، فليُعلم أنّه « لا ينال العفو منه » تعالى على ما له من عظيم العفو
وسعة الرحمة « إلاّ » من كان طاهر الأصل ، شريف الذات ، وهو « مَن حاز » من ذلك
بمكارم صفاته وحسن آدابه « ما به يكون أهلا » للعفو والرحمة ، ولائقاً للصفح
والمغفرة ، فإنّ الطهارة الذاتيّة في المحلّ ونقاء الأرض من القذارات والأوساخ
المانعة شرطٌ قطعيٌّ في تأثير مطر الرحمة فيهما بالتطهير والإنبات ، ولذلك لا تؤثّر
الأمطار الغزيرة المتدافقة على كثرتها وتعدّدها في تطهير الكلاب والخنازير ،
ولا في إنبات الزرع في منبع القاذورات ، بل ترى أنّ تلك المياه العذبة الصافية
الطاهرة المطهّرة النازلة من معدن الخير ، ومنبع الرحمة على ما هي عليه من
الحُسن والطيب ، وما لها من الآثار الجيّدة المطلوبة ، لا تؤثّر بتدفّقها في تلك
النجاسات الذاتيّة إلاّ ازدياد عفونة وقذارة ، واشتداد خباثة ونجاسة تسبّب سراية
النجاسة عندئذ منها إلى غيرها أكثر من وقت جفافها وقبل نزول رحمة الأمطار
عليها ، وذلك قوله تعالى : ( وننزّل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد
الظالمين إلاّ خساراً ) ( 4 ) ( وإذا ما أُنزلت سورة فمنهم من يقول أيّكم زادته هذه
إيماناً فأمّا الّذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون * وأمّا الّذين في قلوبهم
هامش
( 1 ) النساء : 48 .
( 2 و 3 ) آل عمران : 129 ، والمائدة : 18 ، والفتح : 14 .
( 4 ) الإسراء : 82 .