تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 277

مساهمون:

ص٢٧٧
إذ يحصل اللُطف بأن يجعله * جَعلا به يجوز أن يفعله بل جعلُهُ بحيث لابدّ وأن * يوقعه خلاف لُطفه الحَسن
شرح
لحجّته البالغة على عامّة المكلّفين من عبيده وإمائه جعل المثوبة على أثر الطاعة ، وجعل العقوبة على أثر المعصية . وكيف كان ، فبعد ما عرفت الفرق بين القولين إجمالا على الخلاف المذكور في محلّه مع ما لكلٍّ منهما من الأدلّة والبراهين ، نقول في المقام : إنّ ما ذكرنا من عدم التنافي بين العفو وبين صدق الوعيد صحيحٌ على كلا القولين . أمّا على الأوّل ؛ فواضح ، حيث إنّ العقاب قد ثبت ترتّبه على المعصية بحكم العقل قبل بيان الشرع ، ولم يكن من الشرع إلاّ بيان إمكان العفو ، فلا تكاذب بينهما ولا تنافي أصلا . وأمّا على الثاني ؛ فربما يتوهّم التنافي بين صدق الوعيد بالعقاب المجعول لطفاً وبين عدم تنجيزه بسبب العفو ، ولكنّه واضح الفساد ؛ « إذ » قد عرفت أنّه لا ينحصر اللطف في جعل العقاب منجّزاً حتّى يرتدع العبد عن المعصية ، بل إنّه « يحصل اللُطف » أيضاً بجعله متوقّعاً ، « بأن يجعله » غير منجّز « جعلا به يجوز أن يفعله » بعدله ، كما يجوز أن لا يفعله بصفحه وعفوه ، فإنّ إمكان الوقوع في الضرر - كما عرفت - بنفسه كاف للتحرّز عمّا يُخاف منه في سائر الخلائق حتّى في الأنعام ، فضلا عن البشر ، ولا سيّما في العُقلاء منهم . وعليه ، فجعل العقاب المحتمل كاف في ثبوت اللطف من المولى لو لم يكن عينه ، « بل » الأمر بالعكس ، فإنّ « جعله » العقاب منجّزاً « بحيث لابدّ وأن » ينزله بالمجرم العاصي و « يوقعه » به « خلاف لُطفه الحَسن » فإنّ التنجيز يوجب يأس العبد عن المغفرة ، ويمنعه عن التوبة ، مع كون اليأس معصيةً عظيمةً وخسارةً كبيرةً ، بل كفراً صريحاً فوق سائر المعاصي بمقتضى قوله تعالى : ( إنّه لا ييأس من روح الله