إذ يحصل اللُطف بأن يجعله * جَعلا به يجوز أن يفعله
بل جعلُهُ بحيث لابدّ وأن * يوقعه خلاف لُطفه الحَسن
شرح
لحجّته البالغة على عامّة المكلّفين من عبيده وإمائه جعل المثوبة على أثر الطاعة ،
وجعل العقوبة على أثر المعصية .
وكيف كان ، فبعد ما عرفت الفرق بين القولين إجمالا على الخلاف المذكور
في محلّه مع ما لكلٍّ منهما من الأدلّة والبراهين ، نقول في المقام : إنّ ما ذكرنا من
عدم التنافي بين العفو وبين صدق الوعيد صحيحٌ على كلا القولين .
أمّا على الأوّل ؛ فواضح ، حيث إنّ العقاب قد ثبت ترتّبه على المعصية بحكم
العقل قبل بيان الشرع ، ولم يكن من الشرع إلاّ بيان إمكان العفو ، فلا تكاذب بينهما
ولا تنافي أصلا .
وأمّا على الثاني ؛ فربما يتوهّم التنافي بين صدق الوعيد بالعقاب المجعول
لطفاً وبين عدم تنجيزه بسبب العفو ، ولكنّه واضح الفساد ؛ « إذ » قد عرفت أنّه
لا ينحصر اللطف في جعل العقاب منجّزاً حتّى يرتدع العبد عن المعصية ، بل إنّه
« يحصل اللُطف » أيضاً بجعله متوقّعاً ، « بأن يجعله » غير منجّز « جعلا به يجوز أن
يفعله » بعدله ، كما يجوز أن لا يفعله بصفحه وعفوه ، فإنّ إمكان الوقوع في الضرر
- كما عرفت - بنفسه كاف للتحرّز عمّا يُخاف منه في سائر الخلائق حتّى في
الأنعام ، فضلا عن البشر ، ولا سيّما في العُقلاء منهم .
وعليه ، فجعل العقاب المحتمل كاف في ثبوت اللطف من المولى لو لم يكن
عينه ، « بل » الأمر بالعكس ، فإنّ « جعله » العقاب منجّزاً « بحيث لابدّ وأن » ينزله
بالمجرم العاصي و « يوقعه » به « خلاف لُطفه الحَسن » فإنّ التنجيز يوجب يأس
العبد عن المغفرة ، ويمنعه عن التوبة ، مع كون اليأس معصيةً عظيمةً وخسارةً كبيرةً ،
بل كفراً صريحاً فوق سائر المعاصي بمقتضى قوله تعالى : ( إنّه لا ييأس من روح الله