من بَعدِ حكمِ العقل حكماً استقل * فيه بدفعك العقاب المُحتَمل
شرح
إلاّ القوم الكافرون ) ( 1 ) ( إلاّ القوم الخاسرون ) ( 2 ) .
وكيف يسدّ المولى على العبد باب عفوه ورحمته ويقنطه عنهما ، مع نهيه
الصريح عن القنوط بقوله جلّ وعلا : ( لا تقنطوا من رحمة الله إنّ الله يغفر الذنوب
جميعاً ) ( 3 ) ؟
وكيف يجوز له أن يؤيّس عبده المذنب عن قبول التوبة المأمور بها وجوباً
بقوله سبحانه : ( توبوا إلى الله توبة نصوحاً ) ( 4 ) وأمثاله ؟
أفليس تنجيز الوعيد موجباً لذلك ، ومقتضياً للاجتراء على العصيان والكفر ؟
أوَليس ذلك منافياً لنصوص الكتاب ومتواترات السنّة الدالّة - بعد إجماع الأُمّة -
على أنّه تعالى لا يسدّ على عبيده باب رحمته ، ولا يصدّهم عن الرجوع إليه ، وإن
بلغوا النهاية في الكفر وارتكاب السيّئات ، وفعل الفواحش والمنكرات ؟
وعليه ، فلا لُطف إلاّ في جعل العقاب مترقّباً محتملاً من غير تنجيز ولا إبرام ،
حتّى يحدث بذلك في قلب العبد نورَي الخوف والرجاء كليهما ، وبذلك فقط
يحصل التحريض على الطاعة والردع عن المعصية ، وهذا هو حقيقة اللُطف
الواجب ، وهو عينه ، وهو المأثور كتاباً وسنّةً ، وهو المقبول لدى العقل ، بل هو
المجمَعُ عليه لدى المتشرّعة وسائر العُقلاء ، بل ربما يقال بلغويّة التنجيز في العقاب
« من بعد حكم العقل حكماً » باتّاً « استقلّ فيه » قطعيّاً « بدفعك العقاب المحتمل »
ولزوم التجنّب عن كلّ ما يجوز فيه الضرر على ما عرفت .
وعليه ، فيكون جعل العقاب من الشرع على نحو الإنشاء مستدركاً من أصله
فضلاً عن تنجيزه ، نعم ، لا مانع من ذلك إذا كان إرشاداً إلى حكم العقل بنحو
هامش
( 1 ) يوسف : 87 .
( 2 ) الأعراف : 99 وتمام الآية : ( أفأمنوا مكر الله فلا يأمن مكر الله إلاّ القوم الخاسرون ) .
( 3 ) الزمر : 53 .
( 4 ) التحريم : 8 .