شرح
أما ترى فرارها حذراً من الضرب المؤلم ، أو القبض عليه بمجرّد تجويزها ذلك
في أذهانها ، واحتمال وقوعه عليها ، فتراها كيف تمتنع عن السرقة والخطف وأمثالهما ،
وتكفّ نفوسها عن شهواتها للأكل والشرب بانقداح مجرّد الإمكان في أفكارها .
وبالجملة ، بعد تقدير إمكان عدم العفو ، واحتمال استيفاء المولى حقّه من
المجرم العاصي بالانتقام منه . لا يتجرّأ العاقل على معصيته اغتراراً بالعفو المحتمل
مع عدم قطعيّته « ولو قيل » : إنّ « العقاب » إنّما « جُعلا » بوضع من الشرع ، ولم نقل
بكفاية العقل وحكمه بقُبح المعصية في ردع العبد عنها .
توضيح ذلك : أنّ علماء الفنّ بعد اتّفاقهم على موافقة العقل للشرع في الحكم
باستحقاق العاصي للعقاب ، اختلفوا بينهم في أنّ حكم العقل بذلك هل هو يكفي
بياناً لترتّب الثواب والعقاب على الإطاعة والعصيان ؟ فتتمّ به الحجّة على العبيد ،
وبه يُكتفى في ردعهم عن المعاصي وتحريضهم على الطاعات ، وعليه ، فيكون
بيان الشرع للترتّب المذكور بياناً تبعيّاً وفضلا زائداً على واجب اللطف ، غير
داخل فيه ، وهو الحقّ الصحيح .
أو أنّه لا يكفي ذلك ؟ بمعنى أنّ حكمه بقبح عصيان أوامر المُنعم ونواهيه
لا يثبت عقاباً على العاصي ، كما لا يُثبت حكمه بحُسن الطاعة ثواباً للمطيع ،
وعليه ، فيكون بيان الشارع للثواب والعقاب وترتّبها على الطاعة والعصيان إنشاءً
مستقلاّ دخيلا في اللطف الواجب عليه ، مجعولا منه بجعل ابتدائي .
ومعنى ذلك : أنّ لطفه كما كان يقتضي تشريع الأوامر والنواهي ، فكذلك
يقتضي جعله الثواب والعقاب ، باعتبار أنّ ثبوت حُسن الفعل أو قُبحه لدى المولى
بحكم العقل - مع تقدير عدم استلزامهما لترتّب الجزاء ثواباً أو عقاباً ، على ما هو
المتسالم عليه - لا يُحدث في نفوس العامّة حرصاً على الطاعة ، ولا حذراً عن
المعصية ، ولا هو يُثبت عليهم حجّةً ينقطع بها عذرهم في المخالفة ، وعليه ، فيلزم
على الشارع المقدّس تتميماً للطفه الواجب وتكميلا لدعوته وبعثه وزجره وتثبيتاً