تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 275

مساهمون:

ص٢٧٥
ويكفي الاحتمال رادعاً بلا * ريب ولو قيل : العقاب جعلا
شرح
الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ( 1 ) . بل إنّ ذلك يستلزم كون المجرم المرتكب للفحشاء وأنواع المعاصي أعزّ شأناً وأحسن حظّاً من المطيع المتجنّب عنها المحتمل للمكاره والمشاقّ إطاعةً لمولاه في أوامره ونواهيه ، ومن الواضح أيضاً أنّ ذلك ممّا يأباه العقل السليم . والجواب : أمّا عن حديث الاجتراء واستلزام التطميع للتحريض ، فهو أنّ ذلك إنّما يلزم إذا كان الوعد بالعفو وعداً تنجيزيّاً لعموم العُصاة عن جميع معاصيهم ، بحيث يحصل الأمن لكافّتهم عن العقاب ، ويوجد فيهم العلم القطعي بعدم المجازات ، ونفي العذاب عنهم مهما ارتكبوا من كبائر المحرّمات . وأمّا إذا كان ذلك أمراً محتملا يُرجى وقوعه ويحتمل عدمه بحصول الانتقام وإجراء العدل ، وعدم حصول العفو - كما هو المدّعى المطلوب في المقام - فلا استلزام لذلك . وقد عرفت أنّ محطّ البحث ليس إلاّ عن جواز العفو وإمكانه ، وليس في ذلك تطميعٌ جزميٌّ يوجب الاجتراء ، أو ما يكون مساوقاً للإغراء ، أو محرّضاً على ارتكاب المنكرات والفحشاء ، ولا هو مناف لواجب اللطف بعد تقدير وجود الاحتمال في نفس المرتكب ، وتجويزه وقوع الضرر عليه بالعذاب وعدم العفو عنه . فإنّ العاقل لا يهاجم على ما يحتمل فيه الضرر « ويكفي الاحتمال » العقلائي « رادِعاً » له عن الاقتحام والتجرّي « بلا » شبهة ولا « ريب » في ذلك لدى العُقلاء أصلا ، فإنّ دفع الضرر المحتمل ولو لم يكن قطعيّاً أولى لديهم من استجلاب المنفعة ولو كانت قطعيّة معلومة ، بل يمكن أن يقال : إنّ ذلك أمر مغروز في أذهان العموم حتّى المجانين والبُلهاء منهم ، بل مختمر حتّى في طبيعة البهائم الصامتة فضلا عن البشر ذوي العقول الكاملة .
هامش
( 1 ) الجاثية : 21 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 275 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني