ويكفي الاحتمال رادعاً بلا * ريب ولو قيل : العقاب جعلا
شرح
الصالحات سواء محياهم ومماتهم ساء ما يحكمون ) ( 1 ) .
بل إنّ ذلك يستلزم كون المجرم المرتكب للفحشاء وأنواع المعاصي أعزّ شأناً
وأحسن حظّاً من المطيع المتجنّب عنها المحتمل للمكاره والمشاقّ إطاعةً لمولاه
في أوامره ونواهيه ، ومن الواضح أيضاً أنّ ذلك ممّا يأباه العقل السليم .
والجواب : أمّا عن حديث الاجتراء واستلزام التطميع للتحريض ، فهو أنّ ذلك
إنّما يلزم إذا كان الوعد بالعفو وعداً تنجيزيّاً لعموم العُصاة عن جميع معاصيهم ،
بحيث يحصل الأمن لكافّتهم عن العقاب ، ويوجد فيهم العلم القطعي بعدم
المجازات ، ونفي العذاب عنهم مهما ارتكبوا من كبائر المحرّمات . وأمّا إذا كان
ذلك أمراً محتملا يُرجى وقوعه ويحتمل عدمه بحصول الانتقام وإجراء العدل ،
وعدم حصول العفو - كما هو المدّعى المطلوب في المقام - فلا استلزام لذلك .
وقد عرفت أنّ محطّ البحث ليس إلاّ عن جواز العفو وإمكانه ، وليس في ذلك
تطميعٌ جزميٌّ يوجب الاجتراء ، أو ما يكون مساوقاً للإغراء ، أو محرّضاً على
ارتكاب المنكرات والفحشاء ، ولا هو مناف لواجب اللطف بعد تقدير وجود
الاحتمال في نفس المرتكب ، وتجويزه وقوع الضرر عليه بالعذاب وعدم العفو عنه .
فإنّ العاقل لا يهاجم على ما يحتمل فيه الضرر « ويكفي الاحتمال » العقلائي
« رادِعاً » له عن الاقتحام والتجرّي « بلا » شبهة ولا « ريب » في ذلك لدى العُقلاء
أصلا ، فإنّ دفع الضرر المحتمل ولو لم يكن قطعيّاً أولى لديهم من استجلاب المنفعة
ولو كانت قطعيّة معلومة ، بل يمكن أن يقال : إنّ ذلك أمر مغروز في أذهان العموم
حتّى المجانين والبُلهاء منهم ، بل مختمر حتّى في طبيعة البهائم الصامتة فضلا عن
البشر ذوي العقول الكاملة .
هامش
( 1 ) الجاثية : 21 .