تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 274

مساهمون:

ص٢٧٤
شرح
وإذهاب موضوع قضيّة الاستحقاق ، فهو واقع في طول الوعيد ، وناف لموضوعه ، وهو ثبوت الحقّ ، فهو حاكمٌ عليه ، وليس في عرضِه كي يلزم التكاذب بينهما ، فتأمّل جيّداً . وقد اتّضح لك بذلك أنّ الوعد والوعيد ليسا من واد واحد ، بل هما متعاكسان ، حيث إنّ الوعد بالثواب سببٌ لثبوت الحقّ للعبد على ربّه تعالى ، ويجوز له مطالبة المولى بذلك حسب وعده الوفيّ الّذي لا خُلف فيه ، ولا شبهة لدى العقل والعرف في قبح التخلّف عنه كما لا شبهة في نزاهته تعالى عن ذلك . وأمّا الوعيد بالعقاب ، فهو مسبّبٌ عن ثبوت الحقّ له سبحانه على عبده العاصي له ، وقد تبيّن لك أنّ إسقاطه كرمٌ وفضلٌ ، وهو في غاية الحُسن . ثمّ إنّ الخصم قد لفّق لإثبات القُبح العقلي في إسقاط الوعيد وجهين آخرين ( 1 ) : أحدهما : أنّ العفو مع عدم التوبة يوجب اجتراء العاصي ، وعدم مبالاته بشيء من المعاصي ، وأنّ تطميع المولى لعبده في ذلك مساوقٌ لإغرائه ، وهو قبيح جدّاً ، ومناف لواجب لطفه تعالى ، فإنّ اللطف يقتضي توقيفه عن المعصية ، وأمّا التطميع في العفو محرض له عليها ، ومساوق لإعانته على ارتكابها ، وهل هو إلاّ قبيح لا يجوز نسبته إليه تعالى ؟ وثانيهما : أنّ ذلك مناف أيضاً لعدله ، فإنّ المساواة بين المطيع والعاصي في دخول الجنّة يستلزم إضاعة حقّ المطيع في احتماله مكاره الطاعة ومشاقّ العبادة ، وصبره عن لذائذ المعاصي وشهواته النفسيّة ، وقُبح ذلك أوضح واضح ، خصوصاً مع وعده تعالى صريحاً بعدم إضاعته أجر المطيع منهم في قوله سبحانه : ( إنّ الله لا يضيع أجر المحسنين ) ( 2 ) . كما صرّح أيضاً بعدم إمكان المساواة بين المطيع والعاصي في قوله عزّ من قائل : ( أم حسب الّذين اجترحوا السيّئات أن نجعلهم كالّذين آمنوا وعملوا
هامش
( 1 ) انظر تفصيل الكلام في مناهج اليقين ( للعلاّمة الحلّي ) : 346 . ( 2 ) التوبة : 120 .
نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 274 | السيد حسن الحسيني اللواساني / السيد ابراهيم اللواساني