فإنّ ما أخبر من وعيده * يتبع حقّه على عبيده
فتركُهُ بعد سقوط الحقّ * غير مناف لحديث الصِدق
شرح
وجه الفساد : أنّه « لا ينافي » ترك الانتقام من الجاني و « العفو عنه » لما هو
المتسالم عليه ، من « صدقه » في وعيده الدالّ على استحقاق الجاني « فإنّ ما أخبر »
به « من وعيده » إنّما « يتبع حقّه » الواجب « على عبيده » باعتبار أنّ عصيانهم له
يوجب له حقّاً في عذابهم على ذلك « فتركه » العذاب « بعد » العفو الموجب
« سقوط الحقّ » الثابت له ليس إلاّ هبةً منه سبحانه ، وفضلا وكرماً وإغماضاً عمّا له
عليه ، وذلك « غير مناف لحديث الصدق » وهو الإخبار عن الاستحقاق .
وبعبارة أُخرى : كما أنّ حسن الوعيد من المولى لعبده لا يدور إلاّ مدار استحقاق
العبد وجوداً وعدماً للانتقام ؛ بشهادة العُرف ، حيث إنّ مجرّد الاستحقاق فقط علّةٌ
وحيدةٌ لصحّة الوعيد وحُسنه ، وإنّ عدمه علّة منحصرةٌ لعدمه ، بضرورة حكم
العقلاء ، وأمّا وقوع المتوعّد به ، وهو الانتقام المتأخّر ، فلا دخل له في ذلك قطعاً .
فكذلك إخبار المولى بأنّه سينتقم من العبد على عصيانه لا يدور صدقه على
إيقاع النكال به ، وعلى تنجيز الوعيد بالانتقام منه ، بل إنّ ذلك إخبارٌ عن ثبوت
حقّ الانتقام له على العبد العاصي ، ولا يدور صدق إخباره بذلك وكذبه إلاّ مدار
ثبوت الحقّ وعدمه ، من غير مدخليّة إيقاع الانتقام المتوعّد به في ذلك أصلا كما
هو واضح ، فإنّ صدق القضيّة الشرطيّة الحمليّة لا يناط إلاّ بصدق التعليق وصحّة
الاشتراط ، وأمّا وقوع طرفيها وعدمه فهو أجنبيّ محض عن ذلك ؛ بواضح
الضرورة ؛ واتّفاق أهل الفنّ ، كما في قولك مثلا : إن جاء زيد فعمرو قائم ، فإنّ صدق
ذلك منوط فقط بصحّة الحمل والاشتراط ، من دون مدخليّة تحقّق المجيء والقيام
الخارجي في ذلك أصلا بوجه من الوجوه .
وعليه فإخبار الربّ تعالى بتعذيب المؤمن العاصي يوم القيامة ليس إلاّ
إخباراً بثبوت الحقّ له بذلك على العاصي ، وأمّا العفو ، فمعناه إسقاط الحقّ ،