تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 272

مساهمون:

ص٢٧٢
فهو بعفوه عن العبد أحقّ * وهل ترى العفو سوى إسقاط حقّ ؟ إذ العقاب ليس إلاّ حقّه * ولا ينافي العفو عنه صِدقه
شرح
ولا شبهة في شيء من ذلك ، كما لا شبهة في أنّه جلّ وعلا أولى بما ندب إليه العباد ، وأحقّ منهم بالعمل به ، كما لا شبهة أيضاً في أنّ العفو عن الجاني إحسانٌ إليه كما سمعت في قوله تعالى : ( والله يحبّ المحسنين ) ( 1 ) بعد أمره بالعفو والصفح ، قارناً بينهما وبينه ، وهو أيضاً أولى بالإحسان والتفضّل . « فهو بعفوه عن العبد » الجاني الموحّد المعتقد به وبشرائعه « أحقّ » وأولى ، فإنّه دائم الفضل ، وقديم الإحسان ، ذو الفضل العظيم ، والمنّ الجسيم ، وهل يُعقل أن يأمر العبيد بشيء حسن إلى الغاية وهو يتركه ، وإن لم نقل بقبح تركه ؟ كلاّ ثمّ كلاّ ، وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً ، فإنّه لا تفوته صفةٌ حسنةٌ ، ولا يشذّ عنه وصف كمال أبداً . « و » أيضاً « هل ترى العفو » لدى العرف والعقلاء « سوى إسقاط حقٍّ » ثابت ؟ وقد تصافقت العقلاء أجمع على حُسنه ، ومَدحِ فاعله ، والثناء عليه ، إذا وقع العفو في محلّه ولأهله ، وهو ما سوى المعاند اللئيم ، والجاحد الزنيم كما عرفت . وهل يتوقّف عاقلٌ عن الحكم بحسن ذلك ورجحانه ؟ هيهات ، ثمّ هيهات ، فضلا عن الحكم بقبحه . كيف ؟ وقد اشتهر بينهم حتّى صار كالمثل السائر قولهم : العفو عند المقدرة من مكرمات الخصال « إذ العقاب » من المنتقم « ليس إلاّ حقّه » المختصّ به ، وأنّ تركه مع القدرة لا يكون إلاّ تكرّماً ولطفاً وفضلا وإحساناً . « و » من هنا ينقدح فساد ما توهّمه الخصم ، من كون تركه مساوقاً للكذب القبيح في وعيده ، على سبيل خُلف الوعد بالثواب على الطاعة .
هامش
( 1 ) آل عمران : 148 .