فهو بعفوه عن العبد أحقّ * وهل ترى العفو سوى إسقاط حقّ ؟
إذ العقاب ليس إلاّ حقّه * ولا ينافي العفو عنه صِدقه
شرح
ولا شبهة في شيء من ذلك ، كما لا شبهة في أنّه جلّ وعلا أولى بما ندب إليه
العباد ، وأحقّ منهم بالعمل به ، كما لا شبهة أيضاً في أنّ العفو عن الجاني إحسانٌ إليه
كما سمعت في قوله تعالى : ( والله يحبّ المحسنين ) ( 1 ) بعد أمره بالعفو والصفح ،
قارناً بينهما وبينه ، وهو أيضاً أولى بالإحسان والتفضّل .
« فهو بعفوه عن العبد » الجاني الموحّد المعتقد به وبشرائعه « أحقّ » وأولى ، فإنّه
دائم الفضل ، وقديم الإحسان ، ذو الفضل العظيم ، والمنّ الجسيم ، وهل يُعقل أن
يأمر العبيد بشيء حسن إلى الغاية وهو يتركه ، وإن لم نقل بقبح تركه ؟
كلاّ ثمّ كلاّ ، وتعالى ربّنا عن ذلك علوّاً كبيراً ، فإنّه لا تفوته صفةٌ حسنةٌ ،
ولا يشذّ عنه وصف كمال أبداً .
« و » أيضاً « هل ترى العفو » لدى العرف والعقلاء « سوى إسقاط حقٍّ » ثابت ؟
وقد تصافقت العقلاء أجمع على حُسنه ، ومَدحِ فاعله ، والثناء عليه ، إذا وقع العفو
في محلّه ولأهله ، وهو ما سوى المعاند اللئيم ، والجاحد الزنيم كما عرفت .
وهل يتوقّف عاقلٌ عن الحكم بحسن ذلك ورجحانه ؟ هيهات ، ثمّ هيهات ،
فضلا عن الحكم بقبحه .
كيف ؟ وقد اشتهر بينهم حتّى صار كالمثل السائر قولهم : العفو عند المقدرة من
مكرمات الخصال « إذ العقاب » من المنتقم « ليس إلاّ حقّه » المختصّ به ، وأنّ تركه
مع القدرة لا يكون إلاّ تكرّماً ولطفاً وفضلا وإحساناً .
« و » من هنا ينقدح فساد ما توهّمه الخصم ، من كون تركه مساوقاً للكذب
القبيح في وعيده ، على سبيل خُلف الوعد بالثواب على الطاعة .
هامش
( 1 ) آل عمران : 148 .