قد ندب الله عباده إلى * أن يصفحوا عمّن جنى تفضّلا
شرح
عنه عقلا ، وذلك لأنّ التهديد والوعيد بالعذاب الشديد في تلك الآيات على المعصية
إنّما هو على سبيل وَعدِه تعالى بالثواب على الطاعة ، وكلاهما من واد واحد ، من
حيث كون الخُلف لكلّ منهما مساوقاً للكذب القبيح الّذي لا يجوز نسبته إليه تعالى .
هذا ولكن الحقّ الحقيق إنّما هو ما ذهب إليه سائر فِرَق المسلمين ، وتصافقت
عليه جماهيرهم عدا أُولئك الشرذمة القليلة ، وهو جوازه بل حسنه عقلا وثبوته شرعاً .
أما الأوّل : فلما عُلم قطعيّاً ، من أنّه « قد ندب الله عباده » ودعاهم « إلى » العفو
عن المسئ ، وحرّضهم كثيراً في كتابه وسنّة نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على « أن يصفحوا عمّن
جنى » عليهم في النفس أو في المال « تفضّلا » منهم عليه ، ووعدهم على ذلك
غفرانه لذنوبهم ، وعفوه عن سيّئاتهم ، بل ما هو أعظم من ذلك ، وهو حبّه لهم ،
وأقربيّة ذلك للتقوى الموجب لدخول الجنّة والخلود فيها ، كما قال تعالى :
( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللهُ لكم ) ( 1 ) ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) ( 2 )
( فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحبّ المحسنين ) ( 3 ) ( إنّ الله لعفوّ غفور ) ( 4 ) .
بل مدحهم بما يستفاد منه رضاه تعالى عنهم ، وذلك أيضاً أعظم من العفو
والمغفرة ، فقال عزّ وعلا : ( ورضوان من الله أكبر ) ( 5 ) من الجنّة ونِعَمها ، فضلا عن
غفران الذنوب والعفو عنها ، فقال عزّ من قائل في صفات المؤمنين المرضيّين
( والعافين عن الناس ) ( 6 ) .
بل ربما يستفاد وجوبه من ظواهر الأوامر به ، نظير قوله سبحانه : ( فاعفوا
واصفحوا ) ( 7 ) وأمثاله من متواترات الكتاب والسنّة ( 8 ) .
هامش
( 1 ) النور : 22 .
( 2 ) البقرة : 237 .
( 3 ) المائدة : 13 .
( 4 ) الحجّ : 60 .
( 5 ) التوبة : 72 .
( 6 ) آل عمران : 134 .
( 7 ) البقرة : 109 .
( 8 ) انظر أُصول الكافي ( للكليني ) 2 : 107 باب العفو ، الأدب المفرد ( البخاري ) : 61 باب العفو
والصفح عن الناس .