تخطي إلى المحتوى الرئيسي

نور الأفهام في علم الكلام — صفحة 271

مساهمون:

ص٢٧١
قد ندب الله عباده إلى * أن يصفحوا عمّن جنى تفضّلا
شرح
عنه عقلا ، وذلك لأنّ التهديد والوعيد بالعذاب الشديد في تلك الآيات على المعصية إنّما هو على سبيل وَعدِه تعالى بالثواب على الطاعة ، وكلاهما من واد واحد ، من حيث كون الخُلف لكلّ منهما مساوقاً للكذب القبيح الّذي لا يجوز نسبته إليه تعالى . هذا ولكن الحقّ الحقيق إنّما هو ما ذهب إليه سائر فِرَق المسلمين ، وتصافقت عليه جماهيرهم عدا أُولئك الشرذمة القليلة ، وهو جوازه بل حسنه عقلا وثبوته شرعاً . أما الأوّل : فلما عُلم قطعيّاً ، من أنّه « قد ندب الله عباده » ودعاهم « إلى » العفو عن المسئ ، وحرّضهم كثيراً في كتابه وسنّة نبيّه ( صلى الله عليه وآله وسلم ) على « أن يصفحوا عمّن جنى » عليهم في النفس أو في المال « تفضّلا » منهم عليه ، ووعدهم على ذلك غفرانه لذنوبهم ، وعفوه عن سيّئاتهم ، بل ما هو أعظم من ذلك ، وهو حبّه لهم ، وأقربيّة ذلك للتقوى الموجب لدخول الجنّة والخلود فيها ، كما قال تعالى : ( وليعفوا وليصفحوا ألا تحبّون أن يغفر اللهُ لكم ) ( 1 ) ( وأن تعفوا أقرب للتقوى ) ( 2 ) ( فاعف عنهم واصفح إنّ الله يحبّ المحسنين ) ( 3 ) ( إنّ الله لعفوّ غفور ) ( 4 ) . بل مدحهم بما يستفاد منه رضاه تعالى عنهم ، وذلك أيضاً أعظم من العفو والمغفرة ، فقال عزّ وعلا : ( ورضوان من الله أكبر ) ( 5 ) من الجنّة ونِعَمها ، فضلا عن غفران الذنوب والعفو عنها ، فقال عزّ من قائل في صفات المؤمنين المرضيّين ( والعافين عن الناس ) ( 6 ) . بل ربما يستفاد وجوبه من ظواهر الأوامر به ، نظير قوله سبحانه : ( فاعفوا واصفحوا ) ( 7 ) وأمثاله من متواترات الكتاب والسنّة ( 8 ) .
هامش
( 1 ) النور : 22 . ( 2 ) البقرة : 237 . ( 3 ) المائدة : 13 . ( 4 ) الحجّ : 60 . ( 5 ) التوبة : 72 . ( 6 ) آل عمران : 134 . ( 7 ) البقرة : 109 . ( 8 ) انظر أُصول الكافي ( للكليني ) 2 : 107 باب العفو ، الأدب المفرد ( البخاري ) : 61 باب العفو والصفح عن الناس .