شرح
وارتدادهم ، وذلك لصريح آيات أُخر كقوله تعالى : ( إنّ الله لا يغفر أن يشرك
به ) ( 1 ) ( من يشرك بالله فقد حرّم الله عليه الجنّة ) ( 2 ) ( إنّ الّذين كفروا وصدّوا عن
سبيل الله ثمّ ماتوا وهم كفّار فلن يغفر الله لهم ) ( 3 ) ( ولا يدخلون الجنّة حتّى يلج
الجمل في سمّ الخِياطِ ) ( 4 ) إلى غير ذلك من أمثالها ، مضافاً إلى السنّة المتظافرة
المأثورة بمضامينها .
بل يمكن أن يقال : إنّ مغفرتهم والعفو عنهم على ما هم عليه من الإصرار على
الكفر والإلحاد إلى آخر الحياة مستقبح لدى العقل ، ومناف للعدل على ما تقدّمت
إليه الإشارة في باب العدل ، فراجع .
والظاهر أنّه لا شبهة في كلّ ذلك ، وإنّما الكلام في العفو عن المؤمن الجاني
المتوفّى من غير توبة ، فذهب شرذمة من معتزلة بغداد إلى قُبحه عقلا ( 5 ) وذلك
مستلزم لثبوت عدمه شرعاً بمقتضى قولهم : كلّما حكم به العقل حكم به الشرع ( 6 )
ووضوح تنزّهه تعالى وبراءة ساحة قدسه جلّ وعلا عن كلّ عَبث وقبيح ، مضافاً
إلى صراحة آيات كثيرة في ترتّب العقاب على المعصية واستلزامها له ، نظير قوله
تعالى : ( ومن يعص الله ورسوله فإنّ له نار جهنّم ) ( 7 ) ( ومن يقتل مؤمناً متعمّداً
فجزاؤه جهنّم خالداً فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذاباً عظيماً ) ( 8 ) ( ومن
يتعدّ حدود الله فقد ظلم نفسه ) ( 9 ) إلى غير ذلك ممّا ورد بمضامينها من متواترات
الكتاب والسنّة .
نعم ، خرج منها النادم التائب الحقيقي بالكتاب والسنّة والإجماع ، بل والعقل
أيضاً ، وبقي غيره مشمولا لتلك العقوبات ، مستوجباً لها شرعاً ، غير جائز سقوطها
هامش
( 1 ) النساء : 48 و 116 .
( 2 ) المائدة : 72 .
( 3 ) محمّد : 34 .
( 4 ) الأعراف : 40 .
( 5 ) حكاه عنهم في كشف المراد : 415 .
( 6 ) هي قاعدة عقليّة مطردة ، استخدمها الأُصوليون كثيراً في كلماتهم ، انظر هداية
المسترشدين : 433 .
( 7 ) الجن : 23 .
( 8 ) النساء : 93 .
( 9 ) الطلاق : 1 .