حقٌّ حقيقةٌ بلا مجاز * ربّ الجزاء بهما مجازي
شرح
ابن عبّاس ( رضي الله عنه ) ( 1 ) كلّها حقٌّ صحيح ، فذلك طعامهم ، وهذا شرابهم الّذي يشوي
وجوههم بشُربه ، أو بمجرّد رؤيته ، لشدّة حرارته كما قال تعالى : ( إنّا اعتدنا
للظالمين ناراً أحاط بهم سرادقها وإن يستغيثوا يغاثوا بماء كالمهل ) وهو النحاس
والصفر المذاب ( يشوي الوجوه بئس الشراب ) ( 2 ) .
وقال تعالى : ( إنّ شجرة الزقّوم * طعام الأثيم * كالمهل يغلي في البطون *
كغلي الحميم ) ( 3 ) ونعوذ بالله من كلّ ذلك .
« و » كذا ما ورد متواتراً في الكتاب والسنّة القطعيّة ، وقام عليه إجماع الأُمّة
من نِعَم « الجنان » الّتي لم تر عينٌ مثلها ، ولم يخطر على قلب بشر ما أُعدّ فيها ، من المأكل
والمشرب « والحور والقصور والغلمان » المعدّة لأهلها من الصلحاء السعداء .
فإنّ كلّ ذلك أيضاً « حقّ حقيقة بلا » شكٍّ ولا تأويل ، ولا « مجاز » بنحو ما
ارتكبه بعض الجُهّال المدّعين لأنفسهم الفلسفة والحكمة والمعرفة ، مع غاية
قصورهم عنها جميعاً ، فأوّلوا تلك المحكمات المثبتة نقلا وإجماعاً بأُمور واهية
حسب أهوائهم الكاسدة ، وآرائهم الفاسدة ، وعقولهم القاصرة ، بلا دليل شرعي ،
ولا برهان قطعي ، وعدلوا فيها عن الحقائق إلى المجاز بمجرّد الاستغراب ، وقصور
أفهامهم عن إدراك المغازي فيها ، فأوّلوا الجنّة بحصول السرور بسبب نيلها بلذّاتها
الحيوانيّة ، من حيث المأكل والمشرب والمنكح والمسكن والملبس وأمثالها ، أو
بلذّاتها الإنسانيّة من حيث اكتسابه العلوم الراقية والأخلاق المرضيّة الفاضلة .
وكذا أوّلوا جهنّم ونيرانها بكدورة النفس وظلمتها بالأخلاق الذميمة الدنيّة ،
وعقبات الجهل المظلمة .
وأنت خبير بأنّ تلك الخرافات أشبه شيء بالهذيان والسفسطة ، بل مساوقٌ
هامش
( 1 ) حكاه عنه الزمخشري في الكشّاف 3 : 150 وجوامع الجامع 2 : 553 .
( 2 ) الكهف : 29 .
( 3 ) الدخان : 43 - 46 .